ثلاث سنوات من أهوال الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ثلاث سنوات تداخلت فيها ملامح الموت والدمار واليأس. لم يعد الأمر مجرد إحصائيات، بل واقعاً يومياً يعيشه الناجون تحت وطأة صدمة نفسية مستمرة لا يلوح في أفقها أي فرصة للتعافي، في ظل استمرار آلة الحرب.
أزمة الصحة النفسية: أرقام تفضح حجم الكارثة
تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى اتساع رقعة الانهيار النفسي بين سكان القطاع، حيث تظهر البيانات الموثقة من صندوق الأمم المتحدة للسكان تفاقم الأزمة بشكل غير مسبوق:
- أكثر من مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي عاجل.
- 96% من أطفال غزة يشعرون بأن الموت بات وشيكاً.
- نحو 61% من المراهقين والشباب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
- 88% من البالغين يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
- تتوزع بقية النسب بين الاكتئاب والقلق الحاد.
حرب لا تشبه ما قرأناه في الأدب
يصف الناجون طبيعة هذه الحرب بأنها تختلف جذرياً عن أي تجارب سابقة؛ فهي ليست مجرد عمليات عسكرية، بل هي حرب إبادة شاملة تسحق كل أمل في البقاء. إن الموت في غزة له رائحة مميزة؛ رائحة البارود، والأنقاض المحترقة، والتحلل، كما أن له صوتاً يتردد صداه في صرخات المكتومين تحت الركام.
لقد تحولت الأحياء السكنية إلى ساحات للدمار، حيث يصف الشهود لحظات الرعب التي لا تغادر ذاكرتهم: انتشال جثث الأطفال من تحت الأنقاض، رؤية أطراف مبتورة، ومشاهد الأمهات اللواتي يغطي الدم وجوههن وسط غبار القصف المتواصل.
الصدمة كشظية عالقة
لم تعد الصدمة مجرد حالة عابرة، بل أصبحت جزءاً من التكوين الجسدي للناجين. إن صوت الطائرات المسيرة يثير ضيقاً في الصدور، وأصوات إطلاق النار تهز أيدي المكلومين، بينما يسيطر شعور ذنب الناجي على من فقدوا أحباءهم وطلابهم وأصدقاءهم، وهم يواجهون واقعاً لا تملك فيه الروايات أو الكتب القدرة على التخفيف من وطأة المشهد الحقيقي.
إن الإنسان في غزة اليوم لا يقرأ ليثقف نفسه، بل ليحاول الهروب من صور الموت التي تلاحقه، في عالمٍ يراقب ببرود إنسانيةً تحتضر، متسائلين: أي خيال قد يتجاوز قسوة ما نعيشه واقعاً؟


