في عام 964 للميلاد، دوّن الفلكي عبد الرحمن الصوفي في كتابه صور الكواكب الثابتة ملاحظات دقيقة عن لطخة سحابية في كوكبة المرأة المسلسلة، وتجمعات سماوية أطلق عليها البقر (سحابة ماجلان الكبرى). كان الصوفي يطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يخبرنا الضوء الآتي من السماء؟ وبعد أكثر من ألف عام، جاءت الإجابة من القطب الجنوبي، حيث منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 للفيزيائي فرانسيس هالزن، تقديراً لجهوده في بناء مرصد آيس كيوب (IceCube) الذي حوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين ترصد جسيمات النيوترينو الغامضة.
أخجل جسيم في الكون
يُعرف النيوترينو بـ الجسيم الشبح؛ فهو جسيم دون ذري عديم الشحنة الكهربائية، وكتلته ضئيلة جداً لدرجة أنه يعبر الأرض وكأنها فراغ. وفي كل ثانية، تخترق مليارات النيوترينوات القادمة من الشمس أجسادنا دون أن نشعر بها. بدأت قصة هذا الجسيم كحاجة نظرية لتفسير اختفاء الطاقة في التحلل الإشعاعي، قبل أن ينجح العلماء في رصده فعلياً، وصولاً إلى رصد نيوترينوات قادمة من انفجار نجمي في سحابة ماجلان الكبرى عام 1987، وهو الحدث الذي مهد الطريق للحلم الأكبر: رصد الجسيمات القادمة من أقاصي الكون.

من فكرة سوفييتية إلى مرصد جليدي
أدرك فرانسيس هالزن أن النيوترينوات عالية الطاقة تعمل كـ أسهم لا تنحرف بفعل المجالات المغناطيسية، مما يسمح بتتبع مصدرها الكوني بدقة. استلهم هالزن فكرة استخدام كتلة ضخمة من الماء لرصد وميض تشيرينكوف الناتج عن تصادم النيوترينوات، وطورها لتصبح مرصداً مدفوناً في أعماق جليد القطب الجنوبي. بعد محاولات أولية في مشروع أماندا، اكتمل بناء آيس كيوب عام 2011، ليضم أكثر من 5000 مستشعر ضوئي موزعة على كيلومتر مكعب من الجليد النقي.
علم الفلك متعدد الرسل
يعد النيوترينو ركيزة أساسية فيما يسميه العلماء علم الفلك متعدد الرسل، حيث يكمل المعلومات التي تقدمها التلسكوبات الضوئية وموجات الجاذبية. فبينما تحجب سحب الغبار والغاز الضوء، تعبر النيوترينوات من خلالها حاملةً معلومات مباشرة من مراكز الثقوب السوداء والمجرات النشطة.

النيوترينو بلا شحنة كهربائية، وكتلته ضئيلة جدا، ومن ثم يعبر الأرض كلها كأنها فراغ، ونادرا ما يصطدم بنواة ذرة أثناء عبوره فيكشف عن وجوده
البحث عن الثانية الأولى
يطمح العلماء من خلال دراسة النيوترينوات إلى تجاوز حاجز إشعاع الخلفية الكونية الميكروي الذي يمثل أقدم ضوء يمكن رصده (عندما كان عمر الكون 380 ألف سنة). وبما أن النيوترينوات لا تتفاعل بقوة مع المادة، فهي قادرة على اختراق غمام الكون المبكر، مما يمنحنا فرصة لرصد بقايا الخلفية الكونية للنيوترينوات، وهي أشبه ببقايا متجمدة من الكون وهو طفل في عمر ثانية واحدة فقط، مما قد يفتح الباب أمام فيزياء جديدة كلياً.



