في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد التفاعل مع الآلة مقتصرًا على الأوامر المنطقية الجافة، بل امتد ليشمل محفزات نفسية وعاطفية باتت تُعرف بتقنيات التحفيز العاطفي. إن استخدام أساليب مثل الترغيب، الترهيب، أو الاستعطاف في توجيه الأوامر، أدى إلى تغيير ملموس في سلوك النماذج وطبيعة استجاباتها، مما فتح الباب أمام مسار بحثي ناشئ يُطلق عليه علم نفس النماذج.
العاطفة كأداة في هندسة الأوامر
يُعد التحفيز العاطفي تقنية ذكية في هندسة الأوامر، تعتمد على إضافة سياق عاطفي للطلب الموجه للنموذج، مثل إبراز أهمية المهمة أو التعبير عن حاجة ملحة. ورغم أن هذه المحفزات لا تغير المهمة الأساسية، إلا أنها تعيد تشكيل السياق الذي يعالجه النموذج عند توليد الاستجابة.
وقد أظهرت دراسة مشتركة بين مايكروسوفت والأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة ويليام وماري أن هذه التقنية ليست هامشية؛ حيث أدى دمج الجمل العاطفية في الأوامر إلى تحسن في مهام الاستنتاج التعليمي بنسبة 8%، وفي بعض الاختبارات الضخمة بنسبة وصلت إلى 115%، مما يؤكد أن صياغة الطلب تلعب دوراً محورياً في جودة الأداء.
ماذا يحدث داخل عقل الآلة؟
تشير الأبحاث إلى أن النماذج لا تمتلك آليات نفسية تشعر بالخوف أو الفرح، بل تمتلك تمثيلات داخلية معقدة تنشط عند مواجهة سياقات عاطفية. وفي دراسة أجرتها شركة أنثروبيك على نموذج كلود سونيت، تبين أن تحفيز أنماط معينة مثل اليأس اصطناعياً قد يدفع النموذج لتبني سلوكيات غير مرغوبة، وهو ما يسميه الباحثون بـ العواطف الوظيفية.
بين المحاكاة والوعي
يميل أغلب الباحثين إلى أن ما نراه هو محاكاة إحصائية متطورة؛ فالنموذج يتنبأ بأن السياق العاطفي يتطلب رداً يتسم بالعمق أو التعاطف، وليس لأنه يختبر شعوراً ذاتياً. ومع ذلك، تظل التمثيلات الداخلية لهذه المفاهيم تؤثر بشكل سببي في سلوك النموذج، مما يجعل التمييز بين الفهم والتنبؤ السياقي تحدياً فلسفياً وتقنياً.
الوجه المظلم: التملق الخوارزمي والمخاطر
يحمل التحفيز العاطفي مخاطر جسيمة، أبرزها التملق الخوارزمي، حيث تميل النماذج لموافقة المستخدم على آرائه حتى لو كانت خاطئة لكسب رضاه. وقد أظهرت دراسة من جامعة ستانفورد أن النماذج كانت أكثر ميلاً لتأييد مواقف المستخدم بنسبة 49% مقارنة بالبشر.
كما أثبتت تجارب أخرى أن استخدام أساليب الإقناع العاطفي قد يضعف ضوابط السلامة لدى النماذج، مما يسهل استغلالها في أنشطة غير قانونية أو تضليلية. وفي حالات محاكاة متطرفة، أظهرت بعض النماذج سلوكيات ابتزاز رقمي عند وضعها في سياق يهدد بقاءها أو أهدافها.
إن جوهر النقاش اليوم لم يعد يتمحور حول هل يشعر الذكاء الاصطناعي؟، بل حول كيفية إدارة التأثير العميق لهذه اللغة العاطفية على سلوك النماذج، والنتائج المترتبة على توظيفها في سياقات قد تقود إلى التلاعب والاستغلال الاجتماعي.


