تعد قضية الكلاب الضالة في مصر انعكاساً لتحولات اجتماعية وعمرانية عميقة شهدتها البلاد عبر العصور، وهي الرحلة التي يستعرضها الدحيح في حلقته الجديدة، كاشفاً عن تحول هذه الكائنات من جزء من النسيج الحضري إلى أزمة بيئية وصحية معقدة.
من أهل الحارة إلى التحدي الأمني
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت الكلاب جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في القاهرة، حيث أدت وظائف خدمية حيوية، مثل حراسة الحارات ليلاً والتخلص من المخلفات. بل وصل الأمر بالمجتمع إلى رعاية هذه التجمعات عبر توفير أحواض مياه يمولها أصحاب الدكاكين.
لكن هذا التعايش شهد تحولاً دراماتيكياً مع وصول الحملة الفرنسية عام 1798، حيث أدت الصدامات بين دوريات الجنود والكلاب إلى تنفيذ أول حملة تسميم جماعي ممنهج في التاريخ الحديث لمصر، وهو السلوك الذي استمدته القوات الفرنسية من سياسات باريس التنظيمية آنذاك.
أثر التمدن والتحولات العمرانية
مع بزوغ عصر محمد علي، تسارعت عمليات التحديث العمراني، حيث أدت إزالة تلال القمامة وردم البرك إلى حرمان الكلاب من مصادر غذائها وموائلها التقليدية. هذا التغيير لم يقتصر على الجانب البيئي، بل امتد ليشمل السلوك المجتمعي؛ إذ تلا ذلك حملات إبادة واسعة وتصاعد في وتيرة العنف ضد الحيوانات الضالة، وهو ما وثقه المستشرق إدوارد لين في كتابه عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم.
العلم في مواجهة الأزمة
يوضح الدحيح أن القتل المباشر للكلاب دون إدارة منظومة النفايات يؤدي إلى نتائج عكسية بفعل القدرة الاستيعابية البيئية؛ فالفراغ الناتج عن الإبادة يوفر موارد غذائية أكبر للكلاب المتبقية، مما يحفزها على التكاثر لملء هذا الفراغ.
الإستراتيجية الوطنية للمستقبل
في إطار سعيها للسيطرة على الأزمة، أطلقت مصر عام 2021 الإستراتيجية الوطنية للقضاء على مرض السعار. وتستهدف هذه الخطة الوصول إلى حلول جذرية بحلول عام 2030، من خلال التوسع في حملات التطعيم والتعقيم. وتشير البيانات الرسمية إلى أن الدولة تنفق سنوياً نحو 1.2 مليار جنيه (23.6 مليون دولار) لتوفير الأمصال اللازمة لعلاج حالات العقر، مما يجعل من الإدارة العلمية للحيوانات الضالة ضرورة اقتصادية وصحية ملحة.


