كشفت دراسة علمية حديثة عن قدرة مذهلة يتمتع بها الدماغ البشري للتكيف مع ظروف نقص الأكسجين القاسية، وذلك من خلال دراسة أجريت على الغواصين الأحرار الذين يمارسون الغوص دون أجهزة تنفس، مما يعرضهم لنوبات متكررة من انخفاض الأكسجين أثناء حبس الأنفاس.
إعادة تنظيم الشبكات العصبية
أظهرت نتائج الدراسة التي شملت 17 غواصاً متمرساً، مقارنة بمجموعة ضابطة، أن التدريب المكثف على الغوص الحر لمدة سبعة أشهر أدى إلى تغيرات جوهرية في طريقة تواصل مناطق الدماغ. وقد رصد الباحثون إعادة تنظيم انتقائية للشبكات العصبية، خاصة تلك المرتبطة بـ:
- الانتباه والتحكم الإدراكي.
- معالجة المعلومات الحسية.
- التحكم في الحركة.
تغييرات هيكلية في مراكز الذاكرة والحركة
أوضحت الفحوصات الدماغية زيادة في قوة الروابط بين جانبي الحُصين -وهو المنطقة المسؤولة عن الذاكرة- والمخيخ الذي يلعب دوراً محورياً في التحكم الحركي والوظائف الإدراكية. في المقابل، لوحظ ضعف في الروابط بين الحُصين والمناطق المسؤولة عن معالجة المعلومات الحسية الخارجية، وهو ما يفسره الباحثون بأنه إعادة ترتيب للأولويات.
ويشير الباحثون إلى أن الدماغ في حالات نقص الأكسجين الطوعي يحول نشاطه نحو العمليات الداخلية للحفاظ على كفاءته والذاكرة، بدلاً من الانشغال بالمؤثرات القادمة من العالم الخارجي، وهو ما يُعرف بـ المرونة العصبية.
آفاق مستقبلية وتطبيقات علاجية
رغم أن هذه النتائج لا تعني أن حبس الأنفاس يمثل علاجاً لأمراض التنكس العصبي مثل ألزهايمر، إلا أن الباحثين يؤكدون أن الغوص الحر يقدم نموذجاً بشرياً فريداً لدراسة كيفية تكيف الدماغ مع الظروف القاسية. وقد يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تطوير تدخلات طبية تستهدف نقاط الضعف في الحُصين المرتبطة بالتقدم في العمر أو الأمراض المرتبطة بنقص الأكسجين في المستقبل.
تأتي هذه الدراسة كخطوة هامة في فهم قدرة الدماغ على التكيف، حيث خلص الفريق البحثي إلى أن التعرض المتكرر والمضبوط لنقص الأكسجين يعزز من كفاءة الشبكات العصبية، مما يجعله مجالاً واعداً للبحوث العلمية حول المرونة الإدراكية البشرية.


