لم يكن قرار السجين السياسي التونسي عبد الحميد الجلاصي الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام مفاجئاً لعائلته، لكنه حمل في طياته صدمة عميقة. فبعد أن اتخذ القيادي السابق في حركة النهضة، المحكوم بالسجن في قضية التآمر على أمن الدولة، قراره ببدء الإضراب في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، طلب من زوجته التوقف عن إحضار قفة الطعام التي تمثل رمزاً للرابط الإنساني في الزيارات السجنية.

الجسد كأداة احتجاج
تصف مريم الجلاصي القفة بأنها تتجاوز كونها طعاماً، فهي رسالة تضامن يومية، وتؤكد أن إضراب والدها البالغ من العمر 66 عاماً هو محاولة أخيرة لكسر حالة الانسداد حين تضيق خيارات الاحتجاج داخل السجون. ولا يعد الجلاصي استثناءً في هذا المشهد، حيث تكررت حالات الإضراب عن الطعام في تونس، مما يطرح تساؤلاً حول قدرة جسد السجين على التحول إلى قضية رأي عام قادرة على دفع السلطة للاستجابة.

انسداد قنوات الحوار
سبق الجلاصي في هذا المسار أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني، الذي دخل في إضراب مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري للمطالبة بحقه في الوصول إلى المعلومات ومتابعة الشأن العام. ورغم تعليقه للإضراب مؤقتاً إثر تدهور حالته الصحية وتلقي وعود من إدارة السجن، إلا أن التجربة سلطت الضوء على المخاطر الجسدية الجسيمة التي يواجهها السجناء.
يصف المحامي سمير ديلو الإضراب بأنه سلاح من لا سلاح له، مشيراً إلى أنه الصيغة القصوى في سلم التضحية. ويستحضر ديلو تجربة إضرابات عام 2005، مؤكداً أن السلطة غالباً ما تتعامل مع هذه الملفات من زاوية أمنية، مع تزايد الضغوط الحقوقية كلما تدهورت صحة المضربين.

تعدد المسارات وتراجع التأثير
شهدت السجون التونسية إضرابات عديدة، من بينها إضرابات راشد الغنوشي المتكررة منذ سجنه في 2023، وإضرابات جوهر بن مبارك الذي جعل من جسده محور احتجاج طويل. وفي المقابل، تؤكد وزارة العدل التونسية أن الإضراب حق للسجين، مع التشديد على متابعة الحالة الصحية للمضربين.
من جانبه، يرى حسن العيادي، رئيس تحرير صحيفة المغرب، أن الإضرابات فقدت جزءاً من تأثيرها السياسي مقارنة بالماضي، معزياً ذلك إلى تراجع التعاطف الشعبي وترسيخ خطاب أمني يعتبر المعارضين جزءاً من مؤامرة. ويخلص العيادي إلى أن المسافة بين السجين والشارع تبدو اليوم أكثر اتساعاً، مما يجعل أثر هذه الاحتجاجات الفردية محدوداً في مواجهة تعنت السلطة.


