أثارت تصريحات المؤرخ الفرنسي لويس بلان، التي زعم فيها أن نابليون بونابرت كان مسلماً، موجة من النقاشات الحادة في الأوساط الثقافية والسياسية بباريس، معيدةً إلى الواجهة تساؤلات عمرها أكثر من قرنين حول حقيقة التوجهات الدينية للقائد الفرنسي الشهير.
جاءت هذه التصريحات خلال محاضرة ألقاها بلان في مسجد باريس الكبير، حيث أكد أن لا جدال في إسلام نابليون، وهو الطرح الذي أحدث ضجة واسعة اضطرت إدارة المسجد لاحقاً إلى إصدار توضيح يؤكد أن هذه الآراء تمثل وجهة نظر الباحث الشخصية ولا تعبر بالضرورة عن موقف المؤسسة.
أطروحة نابليون والإسلام
يستند لويس بلان في كتابه نابليون والإسلام، الصادر عن دار إريك بونييه، إلى فرضية أن نابليون، المتأثر بـ عصر الأنوار والثقافة التوسكانية، كان يميل للإسلام بشكل شخصي، مشيراً إلى قراءاته المبكرة عن الشرق وترجمات القرآن التي طالعها خلال رحلته إلى مصر.
من جانبه، يرى الباحث رولان لافيت في مراجعته للكتاب أن نابليون كان ربوبياً لا يمارس شعائر دينية محددة، لكنه كان يرى في الإسلام توافقاً مع رؤيته الفلسفية، معتبراً أن نطق نابليون بالشهادتين في القاهرة لم يكن بالضرورة اعتناقاً دينياً بالمعنى التقليدي، بل كان جزءاً من براغماتية سياسية تهدف لكسب ولاء الشعوب التي يحكمها.
وثائق متناقضة
تتجاذب أطروحة بلان أدلة تاريخية متضاربة؛ ففي حين يستشهد المؤيدون برسائل نابليون التي أبدى فيها إعجابه بمبادئ القرآن ورغبته في إقامة نظام حكم يستند إليها، يشير المعارضون إلى وقائع دامية، مثل قصف الأزهر وإعدامات يافا، فضلاً عن وصيته الأخيرة التي أكد فيها تمسكه بالمذهب الكاثوليكي.
التوظيف السياسي للتاريخ
يرى مراقبون أن النقاش حول إسلام نابليون تجاوز حدود البحث الأكاديمي ليتحول إلى سجال سياسي في فرنسا. فبينما يرى البعض في الكتاب دعوة لفرنسا للاعتراف بـ وجهها الإسلامي وتجاوز الحقبة الاستعمارية، هاجمت تيارات يمينية هذه الأطروحة، واصفة إياها بمحاولة تزييف التاريخ لأهداف أيديولوجية، مؤكدة أن الدين كان بالنسبة لنابليون مجرد أداة للحكم والسيطرة.


