جذور الأزمة تتجاوز الفصائل
مع دخول الحرب في غزة عامها الرابع، تتصاعد المطالبات الدولية بإنهاء السلطة الإدارية لحركة حماس وتفكيك أجنحتها السياسية والعسكرية كشرط أساسي لمستقبل القطاع. ومع ذلك، يرى محللون أن البحث عن مسار للتعافي يظل متعثراً ما لم يتم معالجة الجذور التاريخية والسياسية التي أدت إلى نشوء هذا الصراع، وهو صراع يسبق في وجوده وجود أي فصيل مسلح بعينه.
السياق التاريخي: ما قبل وما بعد النشأة
لم تكن حركة حماس موجودة عام 1948، حين دُمرت مئات القرى الفلسطينية خلال النكبة لإقامة مدن ومستوطنات إسرائيلية على أنقاضها. كما لم تكن الحركة حاضرة عام 1967، حين بدأت إسرائيل احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة وضم القدس الشرقية، وهي إجراءات وضعت الأسس لمشروع استيطاني ممتد.
لقد كان صعود الفصائل ذات التوجهات الدينية نتيجة لفراغ سياسي خلفته قيادة وطنية علمانية متراجعة، تزامن مع تحولات اجتماعية عميقة، لتتبلور الحركة رسمياً مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987. إن مؤسسي الحركة، أمثال أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم اليازوري، كانوا في جوهرهم لاجئين هُجرت عائلاتهم من قراهم الأصلية، مما يربط الحركة عضوياً بسياق تاريخي من التشريد واللجوء.
بين المسؤولية والواقع السياسي
لا يعني استحضار التاريخ إعفاء الفصائل من مسؤولياتها، خاصة فيما يتعلق بقرار هجوم السابع من أكتوبر 2023. لكن الحركة تظل، في التحليل السياسي، عرضاً لقرن من المعاناة والسعي نحو تقرير المصير. إن محاولة تأطير حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم كـ مكافأة لحماس هي مغالطة سياسية تتجاهل أن هذا الحق مكفول بالقانون الدولي منذ عقود.
مؤشرات الرأي العام: ما الذي يريده الفلسطينيون؟
تشير استطلاعات الرأي التي أُجريت قبيل أكتوبر 2023 إلى تباين واضح بين توجهات الشعب وتوجهات الحركة، حيث أظهرت البيانات أن الغالبية العظمى من سكان غزة كانت تميل نحو الحلول السلمية وقيام دولتين، مع توجيه انتقادات داخلية واسعة للأوضاع المعيشية تحت سلطة حماس.
استراتيجية إدارة الصراع
لطالما نُظر إلى وجود حماس كأداة استراتيجية في السياسة الإسرائيلية، وتحديداً في عهد بنيامين نتنياهو، لتعزيز الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني معتدل للتفاوض. يتماشى هذا مع أطروحات اليمين المتطرف، مثل خطة الحسم لبتسلئيل سموتريتش، التي ترفض صراحة التطلعات الوطنية الفلسطينية.
وعلى عكس التاريخ السياسي الإسرائيلي، الذي شهد تحول قيادات في منظمات شبه عسكرية (مثل الإرجون وليحي) إلى قادة سياسيين ورؤساء وزراء، يواجه الفلسطينيون سقفاً من المطالب التعجيزية التي تفرض عليهم الاعتراف والنبذ المسبق كشرط للحوار، دون وجود مطالب متبادلة على الجانب الإسرائيلي.
خاتمة: أمن يبحث عن حل
إن إصرار إسرائيل على اشتراط تفكيك حماس كشرط وحيد لأي هدنة دائمة، يضع سقفاً سياسياً يمنع عملياً أي تسوية تفاوضية، مما يكرس حالة الجمود التي تخدم الوضع الراهن. إن إنهاء وجود فصيل معين لن ينهي الطلب الفلسطيني المشروع للحرية، ولن يحقق الأمن المستدام لأي من الطرفين، فالتاريخ يثبت أن الأمة التي تضطهد أمة أخرى، إنما تصيغ قيودها بنفسها.


