في العاصمة صنعاء، تقضي رجاء غرسان، الخياطة الخمسينية، أيامها في صراع مرير مع ضيق التنفس، معتمدة على جهاز طبي مثبت حول عنقها لضمان استمرار تدفق الهواء. هذا الجهاز، الذي يكلفها 100 دولار كل شهرين، بات يمثل خطاً فاصلاً بين الحياة والموت، في ظل عجز النظام الصحي اليمني المتهالك عن توفير جراحة معقدة تحتاجها لإصلاح أحبالها الصوتية ومجرى تنفسها.
قصة رجاء ليست استثناءً، بل هي تجسيد لمعاناة آلاف المرضى اليمنيين الذين تحول إغلاق المطارات، نتيجة الصراع المستمر، إلى حكم بالإعدام البطيء. فبعد سبع سنوات من محاولات حجز مقعد على رحلة جوية للعلاج في الخارج، اصطدمت طموحاتها بواقع إغلاق مطار صنعاء أمام الحركة التجارية منذ عام 2016، وتجدد الهجمات العسكرية التي طالت مدارجه.
أرقام مفزعة وتكاليف باهظة
وفقاً لبيانات وزارة الصحة في صنعاء، أثرت إغلاقات مطار صنعاء على نحو 400 ألف مريض، من بينهم 250 ألفاً يحتاجون للعلاج في الخارج. وتتفاقم الأزمة مع نقص حاد في أكثر من 1600 صنف دوائي، بما في ذلك أدوية السرطان والمحاليل الوريدية لمرضى الثلاسيميا وفقر الدم الانحلالي.
رحلة البحث عن طوق نجاة
مع خروج مطار صنعاء عن الخدمة، تضاءلت الخيارات أمام المرضى، وبات مطار عدن الوجهة الوحيدة المتاحة، لكنه يواجه هو الآخر تحديات أمنية وهجمات متكررة. يضطر المرضى لقطع مسافات طويلة تتجاوز 14 ساعة عبر طرق وعرة وعشرات نقاط التفتيش، وهو عبء لا يطيقه المرضى في حالاتهم الحرجة.
يقول محمد عبد الله، الذي فقد شقيقه في الطريق إلى عدن: اضطررنا لبيع كل ما نملك، بما في ذلك ذهب زوجته وسيارتي، لتغطية تكاليف السفر والتصاريح الأمنية، لكن شقيقي مات قبل أن يصل إلى المطار.
انهيار الخدمات الصحية
من جانبه، أشار عارف الحوشبي، المسؤول في وزارة الصحة بعدن، إلى أن آلاف المرضى ينتظرون دورهم في برنامج المنح العلاجية، لكن الحاجة الفعلية تفوق ذلك بكثير. وأكد أن نقص التمويل الدولي، الذي لم يتجاوز 17% من الاحتياجات المطلوبة، يضع القطاع الصحي أمام خطر الانهيار الشامل.
ويخلص الأطباء إلى أن المشهد في المستشفيات اليمنية بات قاتماً، حيث يواجه المرضى سباقاً مع الزمن في ظل غياب أي برنامج للإخلاء الطبي، مما يجعل الكثير من الحالات التي يمكن علاجها قابلة للتحول إلى وفيات بسبب القيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الرعاية التخصصية.


