فخ لغة العلاج النفسي.. حينما تتحول المصطلحات العلمية إلى أحكام جاهزة في حياتنا اليومية

فخ لغة العلاج النفسي.. حينما تتحول المصطلحات الع

أخيرا تخلصت من هذه العلاقة التوكسيك التي سببت لي تروما. كيف لم أنتبه إلى كل تلك الريد فلاجز التي ظهرت منذ البداية وكانت تشير إلى أنه نرجسي؟

قد تبدو هذه المفردات مألوفة في أحاديثنا اليومية، فقد انتقلت المصطلحات النفسية من أروقة العيادات إلى منصات التواصل الاجتماعي، لتصبح أداة لوصف العلاقات وتفسير السلوكيات. ومع أن هذا الانتشار أسهم في تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتخفيف الوصمة المرتبطة بها، إلا أن الإفراط في استخدامها خارج سياقها العلمي قد يؤدي إلى اختزال تجارب إنسانية معقدة في أوصاف جاهزة تفتقر إلى الدقة.

لغة العلاج النفسي والأحكام الجاهزة

يُقصد بـ لغة العلاج النفسي (Therapy Speak) استخدام المصطلحات التخصصية في الحياة اليومية. ورغم أن هذه اللغة منحت الكثيرين القدرة على التعبير عن مشاعر طالما عجزوا عن وصفها، إلا أن المبالغة في استخدامها تضعف دقة المصطلحات التشخيصية، وتؤدي إلى التقليل من معاناة من يعيشون اضطرابات نفسية فعلية، فضلاً عن تشجيع البعض على التشخيص الذاتي الخاطئ.

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة رانيا الشال، استشارية الأمراض العصبية والطب النفسي، أن الوعي النفسي بحد ذاته أمر إيجابي يساعد الإنسان على وضع حدود صحية في علاقاته وفهم سلوكياته. وتشير الشال إلى أن المحتوى النفسي الموثوق والمبني على أسس علمية يلعب دوراً محورياً في مساعدة الأشخاص على اتخاذ قرارات واعية بطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

التشخيص عبر منصات التواصل

أصبح من الشائع أن يشاهد الفرد مقاطع فيديو تقدم علامات تأكيدية لاضطرابات نفسية، مما يدفعه لإسقاط هذه العلامات على المقربين منه. وتشير دراسة أجريت عام 2025 إلى أن نسبة كبيرة من طالبي الخدمة النفسية يعتقدون بإصابتهم باضطرابات محددة بناءً على محتوى إلكتروني، دون أن يسبق لهم الحصول على تشخيص طبي معتمد.

وتوضح الدكتورة الشال أنها تواجه في ممارستها المهنية حالات تأثرت بهذه المعلومات المتداولة، مؤكدة أن التشخيص عملية دقيقة تتطلب من الطبيب الاستماع للأعراض، ودراسة التاريخ المرضي والعائلي، ورسم خطة علاجية متكاملة، وهو ما لا يمكن تحقيقه عبر مقاطع فيديو قصيرة.

اللغة الفضفاضة وتشويه المصطلحات

أصبح مصطلح النرجسي الأكثر تداولاً في وصف أي سلوك يزعجنا في العلاقات، بينما توضح الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن اضطراب الشخصية النرجسية نمط واسع ومستمر من السلوكيات التي تعيق التكيف وتسبب معاناة حقيقية، ولا ينطبق على مجرد سمات شخصية عابرة.

وينسحب الأمر نفسه على مصطلح التروما (الصدمة النفسية)، الذي يُستخدم اليوم لوصف مواقف محرجة أو بسيطة، بينما هو في الأصل تجربة مؤلمة تترك آثاراً سلبية طويلة الأمد وتؤثر على توازن الفرد. ويحذر الأطباء من أن هذا التوسع في استخدام المصطلحات يؤدي إلى تمييع المعنى السريري لها، مما يخلق التباساً كبيراً في فهم الاضطرابات النفسية الحقيقية.

نحو وعي نفسي متزن

للوصول إلى وعي نفسي حقيقي بعيداً عن التشخيص المتسرع، ينصح المختصون بالآتي:

  • التحقق من المصدر: التأكد من أن مقدم المحتوى متخصص ومؤهل علمياً.
  • الاعتدال في الاستهلاك: الحد من الوقت المخصص لمتابعة المحتوى الذي يبالغ في تفسير التجارب اليومية كأعراض نفسية.
  • الانتباه للغة: تجنب المبالغة في استخدام المصطلحات العلاجية لوصف المواقف العادية.
  • التشخيص المتخصص: عدم الاكتفاء بالمعلومات العامة، والتوجه لطلب المساعدة من طبيب مختص عند الشعور بأي اضطراب حقيقي.

وتختتم الدكتورة الشال مشددة على أن الخطوة الأولى هي عدم تصديق كل ما نراه، والبحث عن المعلومات قبل تبنيها، واللجوء للمتخصصين بدلاً من الوقوع في فخ التشخيص الذاتي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص