فيلم قساطل.. كوميديا سوداء تقتفي أثر العزلة وأوجاع الشيخوخة في قرية منسية

فيلم قساطل.. كوميديا سوداء تقتفي أثر العزلة وأوج

يعود المخرج اللبناني كريم قاسم في أحدث أفلامه قساطل (Pipes) ليغوص مجدداً في تفاصيل الحياة القروية، لكنه هذه المرة يضيق عدسته على شخصية حسان، العامل في شركة المياه الذي اتسم بالسخرية الممتعضة من كل ما يحيط به. يمنح الفيلم هذه الشخصية -التي ظهرت بشكل عابر في فيلمه السابق موندوف- مساحة واسعة ليعبر عن صراعاته الفردية مع العطش، الوحدة، وتأجيل مواجهة الشيخوخة.

حاز الفيلم على تقدير نقدي لافت، حيث عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي عام 2026، وحصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل، قبل أن يواصل رحلته في المسابقة الروائية الطويلة بمهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة.

قرية تختبئ من العالم وتعيش أزماته

يصور كريم قاسم القرية في قساطل كبقعة زمنية معلقة، حيث تتوارى البيوت القديمة بين تضاريس الطبيعة، ويهيمن كبار السن على نسيجها السكاني. وعلى الرغم من الشعور بأن هذه القرية تحيا في عزلة عن صخب العالم الخارجي، إلا أن أزماته تفرض نفسها بقوة؛ إذ تتحول ندرة المياه إلى أزمة يومية تعيد تنظيم حياة السكان وتضغط على تفاصيلهم البسيطة.

يبدأ الفيلم بمشهد لحسان (غسان سعد) في منزله المعلق فوق الجبل، حيث يتناقض جمال الطبيعة مع وجهه القانط. يكتشف المشاهد أن هذا القنوط يغذيّه غياب رضا، العامل البنغلاديشي الذي كان يمثل بالنسبة لحسان رفيق الدرب والعمل، ليصبح هذا الفقد ركيزة أساسية في بناء الحكاية.

شبكة خفية تربط القرية ببعضها

لا تقتصر القساطل في الفيلم على كونها أنابيب مياه، بل تتحول إلى استعارة بصرية لشبكة العلاقات الخفية التي تربط سكان القرية. فهذه الأنابيب هي المركز الذي تتقاطع عنده الحكايات، ولا يلتفت إليها أحد إلا حين تتعطل، تماماً كما لا يلتفت أحد إلى حقيقة العلاقات الإنسانية إلا عند وقوع الأزمات.

يستغل حسان خبرته الممتدة في إصلاح المياه للتنقل بين البيوت، وهو ما يمنحه فرصة للتحقيق في مقتل صديقه رضا، محولاً الفيلم بذكاء إلى دراما تشويق هادئة، حيث تنبع الكوميديا من الجدية المفرطة التي يتعامل بها حسان مع أدواته المحدودة في مواجهة لغز غامض.

حسان.. رجل يرفض التقاعد من الحياة

يقدم غسان سعد أداءً استثنائياً يبتعد عن كليشيهات البطولة التقليدية. فبينما يصارع حسان الفراغ في منزله البارد، يجد في جولاته اليومية لإصلاح أعطال المياه وسيلة للبقاء على قيد الحياة. إن التناقض بين تذمره المستمر من أهل القرية وإصراره على خدمتهم هو ما يمنح الشخصية عمقها الإنساني.

يبرع الفيلم في طرح تساؤلات وجودية حول ما يفعله المسنون بعد التقاعد، وكيف يمكن للمرء أن يملأ وقته في مواجهة العزلة، حيث يصبح العمل -مهما كان بسيطاً أو مرهقاً- هو الحصن الأخير ضد الاندثار في عالم يتبدل من حوله بسرعة لا يواكبها.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص