في بلدة بيت شباب بجبل لبنان، لا تزال أفران الصهر توقد نارها لتتحدى الزمن، حيث يقف نفّاع نفّاع كحارسٍ أخير لإرث عائلي عريق يمتد لثلاثة قرون من صناعة أجراس الكنائس. هذه الحرفة التي كادت تندثر تحت وطأة نكبات التاريخ، تحولت في ورشة آل نفّاع إلى رسالة حية تتجاوز الحدود الجغرافية للبلدة لتصل أصداؤها إلى أصقاع العالم.
تعود جذور هذه المهنة إلى مطلع القرن الثامن عشر، حين برع المعلّم الأول يوسف نفّاع في صبّ أول جرس محلياً. كانت العبارة العفوية التي أطلقها الأهالي آنذاك يوسف نفع بمثابة شرارة انطلاق لاسم عائلة ارتبطت بهذه الصنعة الحساسة. ويشير نفّاع إلى أن ظروف الحكم العثماني فرضت على السكان الاعتماد على التصنيع الذاتي، بدلاً من استيراد الأجراس من أوروبا، مما جعل بيت شباب مركزاً حرفياً مرموقاً في المشرق العربي.
تُعد قطعة عام 1730، التي تزن 50 كيلوغراماً وتستقر اليوم في عليّة صهيون بفلسطين، شاهداً حياً على عراقة نتاج هذه العائلة. وعلى الرغم من أن البلدة كانت تضم سابقاً عشرة بيوت متخصصة في الصب، إلا أن الحروب والأوبئة قلصت هذا العدد تدريجياً، ليصبح بيت يوسف حبيب نفّاع الملاذ الوحيد المتبقي لهذه الحرفة التراثية.
تقنيات الصب: هندسة الصبر والدقة
يصف شربل نفّاع، الذي ورث الشغف عن والده، تعقيدات هذه المهنة التي تعتمد على هندسة تراكمية دقيقة، وتتضمن ثلاث مراحل أساسية:
- القوالب: تُبنى القوالب من ثلاثة أجزاء (داخلي، خارجي، والمعاليق لتشكيل تاج الجرس)، باستخدام تراب الحوّارة اللبناني الممزوج بالتبن وشعر الماعز، وهي خلطة قادرة على مقاومة حرارة تصل إلى 1200 درجة مئوية.
- مراحل التصنيع: تمر عملية البناء بما يتراوح بين 20 إلى 25 مرحلة، تستغرق من شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر من العمل المتواصل.
- اللحظة الحاسمة: بعد يومين من التحضير المكثف، تُختزل العملية في ثلاث دقائق بالغة الدقة، يتم فيها إفراغ المعدن المصهور داخل القالب لتشكيل الجرس.
ورغم انحسار المهنة، استطاعت أجراس آل نفّاع أن تتجاوز النطاق المحلي، لتصدح في كنائس مصر وسوريا والأردن والعراق، وصولاً إلى مجتمعات الاغتراب في أفريقيا وأستراليا وكندا، في مسيرة صمود يقودها اليوم جيل جديد يرى في المهنة شغفاً لا مجرد واجب عائلي.


