قناع الشراكة: كيف تستغل روسيا النفوذ الاقتصادي والعسكري لإحكام قبضتها على أفريقيا؟

قناع الشراكة: كيف تستغل روسيا النفوذ الاقتصادي وال

مع انعقاد القمة الثالثة بين روسيا وأفريقيا في موسكو، يسعى الرئيس فلاديمير بوتين إلى توسيع نطاق نفوذ بلاده الاقتصادي والعسكري والسياسي عبر القارة السمراء. وبينما تروج موسكو لمفهوم التعاون المتبادل، تشير المعطيات على الأرض إلى أن هذه الشراكة تخدم المصالح الروسية وحماية الأنظمة الحليفة أكثر من تحقيق الوعود بالتنمية والازدهار للشعوب الأفريقية.

فجوة بين الأرقام والوعود الاقتصادية

على الرغم من توقيع مئات الاتفاقيات خلال القمم المتتالية، إلا أن النتائج الاقتصادية لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات. فبينما كان الهدف المعلن هو الوصول إلى تبادل تجاري بقيمة 40 مليار دولار، لم يتجاوز حجم التجارة السلعية 27.1 مليار دولار في عام 2025. وتتسم العلاقة باختلال تجاري حاد، حيث تعتمد الصادرات الروسية إلى أفريقيا بشكل أساسي على القمح والأسمدة، وهي سلع تخدم المنتجين الروس أكثر من دعمها للتصنيع المحلي في الدول الأفريقية.

وتكشف المشاريع الكبرى عن تحديات مشابهة؛ ففي حين تمضي روسيا في بناء مفاعلات نووية في مصر بتمويل عبر قروض ضخمة، تعثرت مشاريع أخرى مثل مجمع الأمونيا واليوريا في أنغولا الذي تم التخلي عنه. وفي جمهورية الكونغو، أظهرت خطط بناء خط أنابيب للنفط شروطاً مجحفة تمنح الجانب الروسي 90% من حصة المشروع وامتيازات لمدة 25 عاماً.

التمدد العسكري وتداعياته الأمنية

تمتلك روسيا حالياً أكثر من 57 اتفاقية أمنية وعسكرية مع 39 دولة أفريقية. وقد انتقلت العمليات الميدانية من الاعتماد الكلي على مجموعة فاغنر إلى فيلق أفريقيا الخاضع لوزارة الدفاع الروسية. ورغم التدخل المباشر في دول مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، إلا أن هذا الوجود لم ينجح في توفير أمن مستدام.

وتشير تقارير حقوقية إلى تورط قوات فيلق أفريقيا في انتهاكات جسيمة، بما في ذلك هجمات جوية أدت إلى مقتل مدنيين وعمليات تعذيب ممنهجة في القواعد العسكرية، مما يضع التواجد الروسي في موضع تساؤل أخلاقي وقانوني.

حماية الأنظمة وتوجيه الرأي العام

لا يقتصر الدور الروسي على الجانب الاقتصادي والعسكري، بل يمتد إلى توفير شبكة أمان للأنظمة الحليفة. فقد ساعدت القوات الروسية في إخماد تمردات في النيجر وتثبيت أركان الحكم في جمهورية أفريقيا الوسطى، مقابل الحصول على امتيازات في الموارد الطبيعية مثل الذهب.

وعلى صعيد نفوذها الناعم، تتبع موسكو استراتيجية للسيطرة على السردية الإعلامية، حيث وقعت شبكة RT اتفاقيات بث مع دول الساحل، بالإضافة إلى حملات تضليل إعلامي منظمة تهدف إلى تشكيل الرأي العام الأفريقي وتشويه الخصوم السياسيين، وصولاً إلى التدخل المباشر في العمليات الانتخابية كما ظهر في القضايا المرفوعة ضد شبكات نفوذ روسية في أنغولا.

الخلاصة: ما الذي تحتاجه أفريقيا؟

إن العلاقة المتنامية مع موسكو تكرس حالة من عدم المساواة، حيث تعزز روسيا نفوذها الجيوسياسي وتؤمن مصالحها الاستراتيجية، بينما يعاني المواطن الأفريقي من غياب التنمية وتراجع الحريات. وبات لزاماً على القادة الأفارقة مطالبة موسكو بالمعايير ذاتها التي يطالبون بها الشركاء الدوليين الآخرين: تجارة عادلة، استثمارات منتجة، احترام السيادة، والمحاسبة عن الانتهاكات، فحق الشعوب الأفريقية في الأمن والكرامة يجب أن يكون أولوية فوق أي مصالح سياسية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص