في تجربة سينمائية عميقة تلامس جروح الهوية والذاكرة، عاد المخرج المصري محمد حماد إلى شاشات السينما الروائية بفيلمه خروج آمن، الذي توج مؤخراً بالنجمة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، كأول فيلم مصري يحصد هذه الجائزة الكبرى في تاريخ المهرجان.
يستعرض الفيلم، الذي انطلق عرضه العالمي الأول من مهرجان برلين، تداعيات العنف على النفس البشرية، متخذاً من آثار مجزرة الأقباط المصريين في ليبيا منطلقاً إنسانياً، دون الانزلاق إلى فخ إعادة تصوير المأساة ذاتها، بل التركيز على ما خلفته من ندوب داخل شخصيات تعيش على حافة الانهيار.
فلسفة الخروج الآمن
يوضح حماد أن عنوان الفيلم تبلور في ذهنه خلال مرحلة المونتاج، مشيراً إلى أن شخصيات العمل الرئيسية -سمعان، وفاطمة، وعبد الله- جميعهم يفتشون عن طريق للنجاة بأقل الخسائر، ويضيف: المفارقة أن أياً من هذه الشخصيات لم يجد هذا المخرج الآمن بالفعل، فالفيلم يتأمل أثر العنف الذي يبقى تحت الجلد، والذي قد يكون أشد خطورة من لحظة وقوعه.
بناء الشخصيات واللغة السينمائية
وعن أسلوبه في إدارة الممثلين، خاصة في ظل التباين الحاد بين شخصيتي سمعان وفاطمة، يشير حماد إلى أنه اعتمد على مفاتيح نفسية خاصة لكل دور، حيث يعاني سمعان من اضطراب ما بعد الصدمة والفيلوفوبيا (الخوف من الحب)، بينما تجسد فاطمة نموذجاً للمرأة التي تكافح للبقاء رغم قسوة الظروف، مؤكداً: حرصت ألا أقدم الشخصيات كضحايا، ففاطمة لا تدرك أصلاً أنها تستحق الشفقة، وهذا كان مفتاح قوتها.
وعن اعتماده على الهدوء البصري، يرى حماد أن إيقاع الفيلم يعكس هدوء ما قبل العاصفة، حيث يمتزج التشويق النفسي بالدراما الاجتماعية، مما يخلق حالة من التوتر المستمر لدى المشاهد، رغم غياب الأحداث الصاخبة.
تحديات الإنتاج المستقل
واجه الفيلم تحديات إنتاجية كبرى استمرت لأربع سنوات، اعتمد خلالها حماد على التمويل الذاتي، مؤكداً أن ذلك منحه حرية إبداعية كاملة: لم تفرض أي جهة داعمة شروطاً على الرؤية الفنية، فموقفي كان واضحاً: هذا هو الفيلم، إذا نال إعجابكم فمرحباً بالدعم، وإلا فلا مشكلة.
تفاعل الجمهور
أبدى المخرج دهشته من التشابه الكبير في ردود فعل الجمهور بين مهرجاني برلين والجونة، موضحاً: الجمهور يتفاعل بصدق وفطرية مع إيقاع الفيلم ولغته السردية، وهو ما أكد لي أن السينما وسيلة تواصل عابرة للحدود والثقافات، فالفيلم يختار جمهوره وليس العكس.


