أمريكا تهاجم فنزويلا، تعتقل رئيسها وترامب يعلن الوصاية عليها..! مرّة أخرى، منطق القوة يهزم منطق القانون

مراد علالة / الصحافة اليوم، الأحد 4 جانفي 2026

 

في واقعة أعادت إلى الأذهان ما حصل ذات 3 جانفي 1990 في بنما حين هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الدولة المستقلة واعتقلت رئيسها، أقدمت هذه القوة النافذة مرّة أخرى فجر السبت 3 جانفي 2026 على مهاجمة دولة فنزويلا المستقلة واختطاف رئيسها الشرعي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد.

 

وبين الواقعتين تكرّرت عمليات انتهاك سيادة الدول المستقلة والاعتداء على رموزها واعتقال زعمائها وترتيب محاكمات صورية لهم أو تصفيتهم أو إرغامهم على المنفى.

 

وفي الواقعتين، روّجت الإدارة الأمريكية "الجمهورية" السردية نفسها، وهي الاتجار في المخدرات، مع فارق بسيط وهو أن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب كان أجرأ وأوضح من سلفه بوش بمجرد الانتهاء من عملية الاختطاف حيث تحدّث بوضوح عن النفط الفنزويلي، وهنا مربط الفرس ولا علاقة للموضوع بالديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات النزيهة وغيره من "التهم" والوصفات الجاهزة التي تقايض بها واشنطن شعوب العالم وحكامهم.

 

وفي مشهد لافت لاستعراض القوّة، قدّم الرئيس الأمريكي في نقطة إعلامية تفاصيل عملية الهجوم على فنزويلا ومبرراتها مؤكدا مسؤوليته الكاملة عنها، ومفاخرا بعمليات مشابهة استهدفت دولا بعينها ومجموعات سياسية و شخصيات مهمّة في مشارق الأرض ومغاربها.

 

ليس ذلك فحسب، ومثلما أعلن الوصاية قبل أشهر على قطاع غزة في فلسطين المحتلة ضمن الهدنة المغشوشة بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية والوسطاء الاقليميين، بشّر ترامب الشعب الفنزويلي وشعوب أمريكا اللاتينية وشعوب العالم كلها بأن الإدارة الأمريكية ستتولى إدارة فنزويلا، أجل إدارتها حتى توفير ظروف الاستقرار فيها على الطريقة الأمريكية بطبيعة الحال من خلال إرساء نظام حكم موال مهما تكن شرعيته.

 

ولم يخفي الرئيس الامريكي نقمته على النظام الفينزولي الذي أمّم الثروات والمنشآت واعتبر ذلك سرقة للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت وراء إنشاء كل هذه الانجازات والمؤسسات.

 

ومن هذا المنطلق بالذات، لم تكن العربدة الأمريكية والهجوم السافر على دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة أمرا مفاجئا، فالتحرش بكركاس متواصل منذ سنوات، منذ أن أعلن الرئيس السابق الراحل هوغو شافاز فك الارتباط مع ما كان يسميها الإمبريالية العالمية بوجهها القبيح والشروع في تأسيس ما تم اعتباره نظاما عالميا جديدا يقطع مع الأحادية ويلجم الهيمنة الأمريكية ويمكّن دولا صاعدة من التعبير عن ذاتها.

 

وقد اختار مادورو السير على نفس النهج وهو ما اغضب الإدارة الأمريكية بوجهيها الديمقراطي وخاصة الجمهوري وتفاقم الغضب مع اتساع دائرة شعوب ودول امريكا اللاتينية التي غادرت بيت الطاعة الامريكي وترجمت حقها في تقرير مصيرها في استحقاقات انتخابية عملت واشنطن كل ما في وسعها من أجل تشويهها وتغيير نتائجها دون جدوى.

 

إن استهداف فنزويلا لم يكن مفاجئا بهذا المعنى وقد يكون القرار اتخذ مباشرة بعد انتخابات سنة 2024 وظفر مادورو بولاية رئاسية جديدة، على قاعدة أن "الحدائق الخلفية" لواشنطن يجب أن تكون آمنة وأن الورشات المفتوحة في أصقاع العالم، في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، لا تثنيها عن الحسم بالقوة في كل مكان.

 

ولأنه يدرك جيدا الحساسية التي قد يتقبل بها الشعب الأمريكي ما أقدم عليه، أطنب ترامب في الحديث عن الخطر الذي تمثله المخدرات التي كان يتاجر بها الرئيس الفنزويلي على الشعب الامريكي بالذات، وأعلن عن محاكمته أمام القضاء الامريكي، وغازل أصحاب الشركات الأمريكية بأن بشّرهم بأنه يملك مفاتيح شركات النفط في فنزويلا وأنها ستكون لقمة سائغة بين ايديهم..!

 

هو منطق القوة اذا يهزم منطق القانون، وهزيمة القانون أو بالأحرى هزائم القانون المتتالية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ليس مردّها وهن القانون أو ضعفه أو عدم جدواه، بل هو ببساطة اختلال التوازن في العلاقات الدولية، ولو كان ثمّة قوّة نافذة قادرة على خلق التوازن لما تجرأت واشنطن على انتهاك سيادة دولة مستقلة ذات سيادة نظريا.

 

ونتذكر جيدا ذاك الاتفاق السري بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي في ذروة الحرب الباردة بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عندما سحبت موسكو صواريخها مقابل تعهد واشنطن بعدم غزو كوبا..

 

إن العلاقات الدولية كانت ولا تزال تخضع إلى منطق القوة والفرق بين الماضي والحاضر كما يقول أستاذ القانون خالد الدبابي أن "القانون الدولي المعاصر على عكس القانون الدولي الكلاسيكي يغلّف منطق القوة بمبادئ جذابة وأنيقة لا تطبق فيما بعد"، فلا نخال أن فنزويلا تحت الوصاية الأمريكية ستكون جنّة في أمريكا اللاتينية تماما كما كان حال دول شبيهة في افريقيا وآسيا وفي عالمنا العربي على وجه الخصوص.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص