في ظاهرة تزداد حضوراً في المجتمعات المعاصرة، يجد الكثير من الآباء أنفسهم أمام واقع مؤلم: أبناء يقررون قطع روابط التواصل معهم بشكل نهائي. وبينما يصف البعض هذا السلوك بـالجحود، يرى خبراء النفس أن الأمر أعمق من ذلك، وقد يمثل محاولة من الجيل الأصغر لفرض حدود صحية في علاقات لم تعد تُطاق.
ما وراء القطيعة: هل هي موضة أم ضرورة؟
تؤكد الدكتورة لوسي بلايك، المحاضِرة المتخصصة في علم النفس بجامعة غرب إنجلترا، أن البيانات تشير إلى أن شخصاً واحداً من كل خمسة أشخاص قد يمر بتجربة القطيعة مع أحد والديه. وتوضح بلايك أن الظاهرة لا ترتبط دائماً بوجود ظروف قاسية كالإساءة أو الهجر، بل تعود غالباً إلى تراكم سنوات من الديناميكيات المؤذية داخل الأسرة.
وتضيف أن الانقطاع لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة للأبد، بل قد يكون مساحة مؤقتة للشعور بالأمان، وفرصة للمراجعة الذاتية قبل أي محاولة لإعادة بناء الجسور.
قصص من واقع التجربة: من الفراق إلى الترميم
تعيش ليزلي غلاس وابنتها ليندسي تجربة ملهمة في هذا الصدد. فبعد أربع سنوات من القطيعة التامة التي تلت صراعات نفسية ومشاكل مرتبطة بالإدمان، قررت الطرفان العمل على أنفسهما بعيداً عن ضجيج العلاقة غير الصحية.
تقول ليندسي: إذا وصل الشخص إلى مرحلة لا يحتمل فيها وجودك في حياته، فمن المحتمل أنك ساهمت بطريقة ما في وصول العلاقة إلى هذا الحد. وقد كانت فترة الابتعاد هي المرحلة الفاصلة التي سمحت لكلتيهما بالتعافي، مما مهد الطريق لإعادة التواصل وبناء علاقة أقوى وأكثر نضجاً.
دروس في تحمل المسؤولية
تتفق التجارب الإنسانية في هذا الملف على حقيقة جوهرية: تبدأ رحلة الشفاء من الداخل. وتشير ليزلي إلى أن الأهل الذين يواجهون القطيعة يظنون غالباً أنهم يتعرضون للعقاب، لكن الحقيقة هي أن الأبناء قد يحتاجون فقط إلى التعافي من ألم تراكم داخلهم لسنوات.
وتخلص بلايك إلى أن الأبناء الذين يتخذون قرار القطيعة يعيشون غالباً حالة من العزلة، مما يستوجب عليهم ضرورة إحاطة أنفسهم بمجتمع داعم، بينما يبقى على الآباء تقبل حقيقة أن الحب الحقيقي أحياناً يعني احترام رغبة الأبناء في عيش أفضل حياة ممكنة، حتى لو كان ذلك بعيداً عنهم.


