تسعى الصين في السنوات الأخيرة إلى ترسيخ مكانة عملتها (اليوان) كعملة دولية تتجاوز دورها التقليدي في التسويات التجارية، لتصبح أداة احتياط واستثمار عالمية، وسط تحولات متسارعة في النظام النقدي الدولي وتراجع نسبي في هيمنة الدولار.
الجدل حول قيمة اليوان وشبح اتفاقية بلازا
أثار تلويح بعض السياسيين الأوروبيين، وعلى رأسهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بفكرة إعادة إحياء اتفاقية بلازا (التي أُبرمت عام 1985 لخفض قيمة الدولار مقابل الين والمارك)، جدلاً واسعاً. وتُشير التقارير إلى أن هذا الطرح يأتي في سياق الضغوط الغربية التي تتهم الصين بـ تقويم عملتها بأقل من قيمتها الحقيقية.
اتفاقية بلازا عام 1985:
اتفاقية بين خمس دول كبرى لخفض قيمة الدولار أمام الين والمارك لمعالجة اختلالات التجارة.
من جانبها، ترى أوساط صينية أن هذه الدعوات تعكس قلقاً سياسياً وحمائية تجارية أكثر من كونها حلاً اقتصادياً، مشيرة إلى أن مشاكل الصناعة الأوروبية تنبع من أزمات داخلية كارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الابتكار، لا من تقييم اليوان.
معضلة تريفين والاختلالات البنيوية
تؤكد التحليلات الاقتصادية أن جذور الاختلالات في الاقتصاد الأمريكي ترتبط ببنية النظام المالي نفسه، وليس بسعر صرف العملة، مستشهدة بما يعرف بـ معضلة تريفين.
معضلة تريفين:
تعبير عن تضارب بين تزويد العالم بالدولار كعملة احتياطية وبين الحفاظ على استقرار الاقتصاد الأمريكي؛ فإذا زاد الإصدار ضعفت الثقة، وإذا قلّت السيولة اختنق الاقتصاد العالمي.
صلابة الاقتصاد الصيني والقوى الإنتاجية الجديدة
في المقابل، تراهن بكين على متانة اقتصادها الذي أظهر قدرة فائقة على التكيف. وتؤكد التقارير الصينية أن قوة الاقتصاد تنبع من تكامل المنظومة الصناعية والاستثمار المكثف في القوى الإنتاجية الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
جاذبية الأصول الصينية وتنويع الاحتياطيات
على الرغم من التوترات، بات المستثمرون الدوليون ينظرون إلى الأصول الصينية كخيار استراتيجي، لا سيما مع توجه البنوك المركزية عالمياً لتنويع احتياطاتها بعيداً عن الدولار، مدفوعةً بالمخاطر الجيوسياسية والشكوك حول الاستدامة المالية الأمريكية.
آليات جديدة لتدويل اليوان
اتخذ بنك الشعب الصيني خطوات عملية لتعزيز مكانة اليوان، من خلال إطلاق آليات جديدة لتوفير السيولة للبنوك المركزية الأجنبية، مما يسد فجوة حيوية في البنية المالية الصينية ويحول العملة من وسيط تجاري إلى أداة احتياط واستثمار عالمية.

ختاماً، تُظهر المعطيات أن تدويل اليوان ليس مجرد إجراء مالي، بل جزء من إعادة تشكيل تدريجية لتوازنات القوى العالمية، حيث يتجه النظام النقدي نحو تعددية حذرة تتعايش فيها العملات الكبرى، بينما يظل مستقبل اليوان مرهوناً بمدى الموثوقية المؤسسية والانفتاح المالي في مواجهة صراع طويل الأمد على قواعد الهيمنة النقدية.


