لطالما اعتُبرت منحوتات حضارة الخمير في المتاحف العالمية المرموقة وقصور الأثرياء أيقونات فنية نادرة، لكن خلف هذا البريق يكمن تاريخ مظلم من النهب والتهريب. في قلب هذه الشبكة الدولية كان يقف رجل بريطاني يدعى دوغلاس لاتشفورد، الذي نجح لعقود في تقديم نفسه كباحث وتاجر آثار موثوق، بينما كان يفرغ المعابد القديمة في كمبوديا من روحها التاريخية.
منذ ستينيات القرن الماضي وحتى وفاته في عام 2020، كان لاتشفورد المورد الرئيسي لجامعي التحف، حيث زوّدهم بنقوش جدارية وتماثيل لآلهة هندوسية وبوذية نُزعت من مواقع أثرية مثل أنغكور وات وكوه كير.
آليات النهب والتهريب
تشير التحقيقات إلى أن عمليات النهب كانت تتم بوحشية؛ حيث كان اللصوص المحليون يستخدمون المجارف والأزاميل وحتى الديناميت لاقتلاع التماثيل، ثم نقلها عبر عربات تجرها الثيران إلى الحدود التايلاندية. هناك، كان لاتشفورد يتسلم القطع ويمنحها شرعية زائفة عبر سجلات ووثائق مزوّرة، ليدخلها لاحقاً إلى دور المزادات العالمية والمتاحف الكبرى.
سقوط الإمبراطورية الزائفة
في عام 2019، وُجهت للاتشفورد وهو في عامه الـ88 تهم بالاحتيال والتهريب والتآمر من قبل السلطات الأمريكية. ورغم وفاته قبل صدور إدانة جنائية، إلا أن إرثه تحول إلى فضيحة دولية. وقد أدت الضغوط القانونية والتحقيقات إلى قيام متاحف عالمية، مثل متحف المتروبوليتان ومتحف دنفر للفنون، بإعادة عشرات القطع المنهوبة إلى كمبوديا.
حتى عائلة لاتشفورد لم تنجُ من التبعات؛ حيث وافقت ابنته جوليا في عام 2023 على تسوية قانونية قضت بمصادرة 12 مليون دولار من تركة والدها، باعتبارها أرباحاً ناتجة عن تجارة غير قانونية.
شهادات من قلب الجريمة
استغلت الحرب الأهلية في كمبوديا (1967-1975) وما تبعها من إبادة جماعية لتسهيل نهب التراث. ومن بين الناهبين الذين اعترفوا بجرائمهم تويك تيك، وهو مقاتل سابق في صفوف الخمير الحمر، أكد أنه قاد شبكة لسرقة التماثيل وبيعها لوسطاء لاتشفورد. وقد ساعدت شهادته في توثيق أصول القطع المنهوبة وتسهيل استعادتها.
إن جهود استعادة التراث الكمبودي لا تزال مستمرة، حيث يرى الكمبوديون في هذه القطع أكثر من مجرد تحف؛ إنها تجسيد لهوية الأمة وذاكرة أجدادهم التي سُرقت في زمن الغفلة والصراع.


