لا يحتاج المسلسل الكويتي سستر فخرية إلى كثير من الوقت كي يعلن نواياه الدرامية؛ فالحكاية تبدأ من لحظة مشبعة بتوتر مكتوم، تتسارع بعدها الأحداث لتكشف أسراراً مدفونة خلف جدران المستشفى. ورغم أن القصة تتحرك داخل مساحة هادئة ظاهرياً، فإنها تظل متخمة بعلامات الاستفهام حول من يملك الرواية الكاملة، ومن دفع الثمن دون أن يعرف.
وما يُربك المشاهد أن الجاني ليس مختبئاً، بل هو حاضر منذ المشهد الأول، يمشي في الممرات بتأنٍ ويبتسم للجميع، وهو ما يجعل الغموض حالة مستمرة تتسلل إلى العلاقات الإنسانية نفسها.
جريمة تبدأ من غرفة الولادة
نجح العمل، الذي انطلق على منصة شاهد، في أن يفرض نفسه على خريطة الدراما الخليجية بعيداً عن صخب المنافسة الرمضانية. تكمن نقطة الاختلاف في الترقب المحسوب منذ المشهد الأول؛ فالمسلسل يبدأ بجثتين غامضتين، قبل أن يأخذ المشاهد إلى غرفة الأطفال حديثي الولادة. الصدمة هنا ليست في اكتشاف الجريمة، بل في أن المتفرج يشهد وقوعها على يد امرأة تبدو في عيون الجميع موضع ثقة، هي الممرضة فخرية، التي تُبدل الأساور التعريفية للأطفال في فعل يبدو روتينياً، لكنه يخفي ما سيقلب حياة عشرات العائلات رأساً على عقب.
رهان الحلقات القصيرة
يعد المسلسل دراما قصيرة من عشر حلقات، من تأليف محمد شمس وإخراج مناف عبدال، وبطولة هدى حسين وميس كمر وأبرار أبو سيف ومرام البلوشي ومشعل الشايع وحسن عبدال وشهاب حاجية وعبد العزيز مندني. وبالنظر إلى عدد حلقاته المحدود، غرد المسلسل منفرداً بعيداً عن الدراما الخليجية التي تميل إلى الإطالة؛ إذ ابتعد صانعوه عن الحشو، محافظين على إيقاع سريع وسرد متماسك.
#هدى_حسين في مسلسل #سستر_فخرية عيشتنا أجواء الإجرام والتوتر والمرض النفسي .. باقي اخر حلقتين بكرا تنزل ونودع فخرية ونعرف سرها ??? pic.twitter.com/UO2cK0yiKw
— shahad?. (@Shahdih94_) June 24, 2026
بصمة محمد شمس والبيئات الطبية
سستر فخرية هو العمل الدرامي الطويل الرابع للمؤلف محمد شمس، وتكاد البيئات الطبية تشكل خيطاً ممتداً في أعماله. يميل شمس إلى اختيار حقب قديمة تخدم منطقه الدرامي؛ فالتسعينيات هنا ليست مجرد نوستالجيا، بل حقبة تجعل وقوع الأخطاء وإخفاءها أكثر قابلية للتصديق، وتستحضر تفاصيل اجتماعية أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية. وقد نجح المخرج مناف عبدال في تعزيز هذا التوتر عبر التركيز على مواقع تصوير محدودة خلقت حالة مستمرة من الترقب.
أداء هدى حسين: وجهان لعملة واحدة
تميزت كتابة شمس بوضع الشخصيات النسائية في قلب الالتباس الأخلاقي. وقد اعتمدت هدى حسين على شخصية تتكشف طبقاتها تدريجياً، مقدمة أداءً يقوم على الهدوء وإدارة الصمت أكثر من الانفعال. ويكفي تأمل التغيرات في ملامحها ونبرة صوتها بين لحظات الاطمئنان التي تبثها في الآخرين ولحظات المواجهة، لندرك المسافة بين الوجهين اللذين تعيش بهما الشخصية.
ما وراء النهاية
تفاوتت ردود الأفعال حول النهاية لكونها لم تُغلق جميع الخيوط الدرامية، بقدر ما ركزت على فكرة أن الحقيقة قد تظهر، لكنها لا تمحو آثار الماضي. المسلسل لم يكن تحقيقاً بوليسياً بقدر ما كان انشغالاً بأثر الجريمة الإنساني؛ فأغلقت النهاية القضية القانونية، لكنها أبقت الجراح مفتوحة.
بعد انتهاء العمل أقول رأيي بكل صراحة.. العمل جميل ومتكامل. بالنسبة لسبب تبديل فخرية للأطفال، أشوفه كان نابعًا من عقدة نفسية عاشتها منذ طفولتها، بعد ما حاولت والدتها ترجعها للميتم وكأنها كانت مجرد وسيلة للأمومة ثم تخلت عنها، لذلك أرادت الأطفال يعيشون نفس الشعور #يتبع
#سستر_فخرية pic.twitter.com/3KwVWZi3C8— shahad?. (@Shahdih94_) June 26, 2026
اختار مسلسل سستر فخرية أن يجعل من الثقة في المؤسسات مادة للجريمة، طارحاً إشكالية حول علاقتنا بالمنظومات التي نُسلمها أجسادنا في أكثر لحظاتنا هشاشة. ورغم بعض الهفوات في بناء الشخصيات المساندة، إلا أن التجربة تؤكد أن الدراما الخليجية القصيرة تملك فرصة حقيقية للتطور عندما تُبنى على معضلات إنسانية عميقة.


