«بروفة يوم الحساب».. المسرح السوري يفكك شفرات الذاكرة في مواجهة العدالة

«بروفة يوم الحساب».. المسرح السوري يفكك شفرات الذا

حين يقترب المسرح من ملف العدالة الانتقالية، فإنه يدخل منطقة شديدة الحساسية لا تحتمل الخطابة ولا الشعارات؛ فهي ليست قضية قانونية فحسب، بل تجربة إنسانية ما تزال حاضرة في أجساد الناجين وذاكرة مجتمع لم يتحول ماضيه إلى تاريخ بعد.

تأتي مسرحية بروفة يوم الحساب، التي كتبها فارس الذهبي وأخرجها ماهر صليبي، بوصفها محاولة فنية لتفكيك العلاقة بين الذاكرة والعدالة، لا لتقديم أجوبة جاهزة، بل لفتح الأسئلة المؤجلة في السياق السوري، بعيداً عن صخب الحرب المباشر، لتركز على آثارها بعد صمت البنادق.

مشهد

القبو: استعارة لوطن يرفض النسيان

تدور أحداث العمل داخل قبو خياطة قديم، حيث تعمل امرأتان، سما وثريا، على ترميم فساتين فقدت أصحابها. لا يبدو المكان مجرد ديكور، بل يتحول إلى شخصية درامية ثالثة تحتفظ بما عجزت المدينة عن نسيانه. إن اختيار ورشة الخياطة بناء رمزي؛ فترميم الأقمشة يعكس محاولة لترميم الحكايات، وتصبح الغرز أشبه بمحاولات لجمع ما تبقى من حياة تكسرت بفعل الحرب.

لقطة

العدالة كتجربة إنسانية لا قانونية

ينجح العرض في تحويل قضية سياسية معقدة إلى تجربة يومية، حيث تتراجع المصطلحات القانونية لصالح الخوف، الذنب، الصمت، والرغبة في الاعتراف. يبتعد المخرج ماهر صليبي عن الثنائية التقليدية بين الضحية والجلاد، مفضلاً منطقة أكثر تعقيداً تصبح فيها الذاكرة نفسها موضع مساءلة.

أداء يراهن على الصمت والسينوغرافيا

اعتمد الإخراج مقاربة هادئة بعيدة عن المبالغة، حيث قدمت روبين عيسى شخصية ثريا كنموذج للناجية التي تتعايش مع صدمتها، بينما اشتغلت يارا صبري في سما على الكتمان، وقدم جابر جوخدار فؤاد ببرود محسوب أضفى طابعاً مقلقاً على الشخصية.

مشهد

أما السينوغرافيا فقد اعتمدت اقتصاداً بصرياً؛ فالفساتين المعلقة وطاولة الخياطة تحولت إلى علامات درامية تتجاوز وظيفتها الواقعية، لتؤكد أن المكان ليس مجرد حيز للعيش، بل بنية مغلقة لذاكرة لم تُغلق بعد.

بين قوة الفكرة ورهان الأسئلة

رغم قوة البناء العام، تظل بعض الحوارات تميل إلى التفسير الفكري المباشر، كما يظل حضور العدالة الانتقالية محصوراً في البعد النفسي والأخلاقي. ومع ذلك، تكمن أهمية بروفة يوم الحساب في توقيتها، حيث تعيد فتح النقاش حول الذاكرة والمساءلة، وتؤكد أن الخشبة ليست مكاناً لإصدار الأحكام، بل لفتح الأسئلة الكبرى التي تبدأ فعلياً حين يُسدل الستار.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص