لم تعد أزمات الملاحة في الممرات المائية الحيوية مجرد اضطرابات عابرة في مسارات التجارة البحرية، بل كشفت عن معادلة جديدة لأمن الطاقة العالمي؛ حيث لم يعد الأمر مقتصراً على حجم الإنتاج أو مستويات المخزونات، بل بات مرتبطاً بمن يمتلك السفن القادرة على النقل، ومن يمتلك القدرة على تمويلها، وإدارتها، وتأمينها ضد المخاطر الجيوسياسية.
في أوقات التوتر، يتحول مالكو الناقلات من مجرد ناقلين للخام والغاز إلى أطراف فاعلة ومؤثرة في تكلفة الطاقة النهائية؛ فتردد السفن في دخول مناطق الخطر، وارتفاع أقساط التأمين، وإعادة رسم المسارات البحرية، عوامل تدفع كلفة الشحن للارتفاع بشكل حاد، مما يلقي بظلاله على الأسعار العالمية.
1. من يملك أسطول الناقلات العالمي؟
تظهر بيانات فيسلز فاليو (VesselsValue) حتى يناير 2025 أن خريطة النفوذ البحري تتوزع بين قوى تمتلك رأس المال البحري والخبرة التشغيلية وشبكات التمويل. وتتصدر الصين دول العالم من حيث القيمة الإجمالية للأسطول البحري (255.2 مليار دولار)، تليها اليابان (231.4 مليار)، ثم اليونان (188.1 مليار).
وعند التخصيص في ناقلات النفط، تستعيد اليونان صدارتها كقوة تاريخية بقيمة أسطول تصل إلى 71.3 مليار دولار، بينما تهيمن اليابان على قطاع ناقلات الغاز الطبيعي المسال بقيمة 40.9 مليار دولار، مما يعكس اعتمادها الاستراتيجي على واردات الطاقة البحرية. وفي المقابل، تبرز سنغافورة كمركز عالمي لإدارة وتمويل الخدمات البحرية رغم صغر حجمها الجغرافي.
2. الشركات المشغلة: هيكلية النفوذ
تتصدر شركة فرونت لاين قائمة شركات تشغيل ناقلات النفط بإيرادات بلغت 1.77 مليار دولار خلال آخر 12 شهراً، تليها سي إم بي تك وتيكاي تانكرز. وتبرز شركات مثل سكوربيو تانكرز في نقل المنتجات النفطية بأسطول متنوع يضم 93 ناقلة، بينما تمثل تساكوس إنرجي نافيغيشن النموذج اليوناني الأبرز، بامتلاكها سفن متخصصة للفئات الجليدية وناقلات الغاز.
وتجدر الإشارة إلى أن النفوذ في هذا القطاع متداخل؛ فقد تكون الشركة المشغلة في دولة، والسفينة مسجلة تحت علم دولة أخرى، والتمويل من مركز مالي، والتأمين من سوق لندن، والبناء في أحواض كوريا الجنوبية أو الصين.
3. صناعة السفن: هيمنة شرق آسيا
تتركز صناعة بناء الناقلات بشكل شبه كامل في شرق آسيا. وتعد كوريا الجنوبية المركز العالمي المتقدم لبناء ناقلات الغاز الطبيعي المسال نظراً لخبرتها الفائقة في أنظمة التخزين المبرد والدفع البحري، بينما تصعد الصين بقوة بفضل الدعم الحكومي الضخم وسلاسل التوريد المتكاملة.
4. الأزمات البحرية: هل يتحول الملاك إلى رابحين؟
أدت اضطرابات الشحن إلى خروج نحو 7% من أسطول الناقلات العالمي من التداول الفعلي بفعل طول الرحلات وتجنب مناطق التوتر. وفي ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، قفزت أسعار الشحن على خط الخليج العربي - شرق آسيا من 100 نقطة إلى أكثر من 500 نقطة على مؤشر وورلد سكيل.
وفي هذا السياق، توضح خبيرة الطاقة لوري هايتايان أن هذه الأرباح ليست مطلقة لجميع الملاك؛ حيث تسببت الزيادة الكبيرة في كلفة التأمين البحري (التي ارتفعت في بعض الحالات من 0.15% إلى 1.5% من قيمة السفينة) في خلق أعباء إضافية أدت إلى خلافات حول الجهة التي ستتحمل هذه التكاليف، مما دفع بعض الشركات للتردد في عبور الممرات الخطرة، وهو ما أثر في نهاية المطاف على استقرار سلاسل إمداد الطاقة العالمية.


