يرن هاتف ماريوس، وتضيء شاشته معلنة عن وصول رسالة جديدة. بالنسبة له، هذه ليست مجرد إشعارات عادية، بل هي محفزات تثير رغبة لا يمكن مقاومتها، يصفها بأنها أشبه بـ تاجر مخدرات يقبع في جيبه، يلح عليه باستمرار لأخذ جرعة جديدة من التفاعل الرقمي.
ماريوس، الذي يعمل مدرب لياقة بدنية، وجد نفسه غارقاً في دوامة الإدمان الرقمي، حيث يقضي في أيامه السيئة ما يصل إلى 14 ساعة يومياً وهو يحدق في شاشة هاتفه، وتحديداً عبر منصة إنستغرام. هذا الواقع القهري دفعه إلى اتخاذ قرار حاسم بالخضوع لبرنامج علاجي مكثف يتضمن 12 جلسة، في محاولة لفهم جذور هذه النزعة التي يعتقد أنها تنبع في جوهرها من الشعور بالوحدة.
ظاهرة تتجاوز مجرد الاستخدام المفرط
رغم أن إدمان الهاتف لم يُصنف بعد كحالة طبية رسمية، إلا أن المؤشرات مقلقة. ففي استطلاع لشركة ديلويت، أكد 70 في المئة من المشاركين أنهم يقضون وقتاً طويلاً جداً على هواتفهم. ويحذر أكاديميون من أن الهواتف الذكية تعيد تشكيل كيمياء الدماغ، حيث يعمل نظام المكافأة في الدماغ على إفراز الدوبامين عند كل إشعار أو إعجاب جديد، مما يجعل هذا التحفيز مطلباً ضرورياً يسيطر على حياة الفرد.
وتشير مراكز علاج الإدمان في المملكة المتحدة (UKAT) إلى تحول لافت؛ إذ كان واحد فقط من كل 10 أشخاص يعالجون من إدمان المخدرات يعاني من إدمان ثانوي على الهاتف في عام 2019، بينما ارتفع هذا الرقم ليصل إلى واحد من كل ثلاثة في العام الماضي، لدرجة أن بعض المرضى يرفضون تسليم أجهزتهم عند دخول المصحات العلاجية.
رحلة التعافي: إعادة اكتشاف الحياة
يقول جيمس، البالغ من العمر 48 عاماً، والذي كان يعاني من إدمان مزدوج للكحول والعالم الرقمي: كنت أشعر أن العالم الرقمي يحتجزني رهينة، كأن جزءاً من روحي قد سُحب مني. بعد فقدان وظيفته، أصبح جيمس يكرس يومه بالكامل لمتابعة الإعجابات والتعليقات على وسائل التواصل، لكنه اليوم، ومن خلال العلاج، بدأ يستعيد توازنه.
تؤكد كيلي واتسون، كبيرة المعالجين في مركز ستيبس توغيذر، أن الهاتف أصبح بالنسبة للكثيرين ملاذاً آمناً للهروب من أعباء الحياة الثقيلة. وتعمل واتسون مع مرضاها على تقليل وقت الشاشة تدريجياً، ومواجهة المشاعر الحقيقية التي تظهر عند الانفصال عن الجهاز.
وفي سياق متصل، تأسست مجموعة مدمنو الإنترنت والتكنولوجيا المجهولون (ITAA) كزمالة عالمية لدعم المتعافين. جينّي (30 عاماً)، إحدى أعضاء المجموعة، تروي كيف فقدت أجزاءً من حياتها بسبب الهوس بالمحتوى الرقمي، مؤكدة أنها لم تدرك حجم المشكلة إلا عندما بدأت تعاني من أعراض انسحاب حقيقية. تقول جينّي اليوم: أنا الآن أتحكم بالأمر، وأستخدم الإنترنت للضرورة فقط.
نصائح للتعامل مع الارتهان الرقمي
تقدم المعالجة النفسية هيلدا بيرك، مؤلفة كتاب تمارين التغلب على إدمان الهاتف، استراتيجيات للحد من هذا الانغماس، منها:
- تحليل السلوك: اسأل نفسك لماذا تفتح هاتفك في هذه اللحظة؟ هل تهرب من شعور معين؟
- البدائل الواقعية: استبدل التصفح بنشاط حركي، قراءة كتاب، أو الاتصال بصديق.
- تجنب الشعور بالذنب: لا تلم نفسك إذا تعثرت، بل فكر في كيفية إدارة الموقف بشكل أفضل في المرة القادمة.
بالعودة إلى ماريوس، لا يزال الطريق طويلاً، لكنه بدأ يلمس تغيراً حقيقياً. فكلما امتدت يده نحو هاتفه بشكل عفوي، يتذكر عزمه على التغيير، ويقاوم تلك الرغبة القهرية. يختم ماريوس قائلاً: أنا واثق تماماً أن استعادة متعة الحياة اليومية بعيداً عن الشاشات أمر ممكن.


