في خطوة استراتيجية لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات مشددة تستهدف شبكات غسل الأموال المرتبطة بالتعدين غير القانوني في إفريقيا. وتأتي هذه الخطوة في ظل قلق دولي من تحول الموارد الطبيعية إلى وقود يغذي العمليات الإرهابية في القارة السمراء.
الذهب كأداة للتمويل الإرهابي
تشير تقديرات فريق التقييم الأميركي المشترك لمكافحة الإرهاب إلى أن العائدات التي تجنيها الجماعات المسلحة من التعدين غير القانوني بلغت نحو 48 مليار دولار، وهو رقم شهد تزايداً مقلقاً في الفترة الأخيرة. وفي هذا السياق، كشفت العقوبات الأميركية عن دور مصفاة غاسابو وشركات تعدين تابعة لها كقناة رئيسية لغسل الذهب المنهوب من قبل حركة إم 23 في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
بؤر التوتر: الكونغو نموذجاً
منذ مايو 2025، كثفت حركة إم 23 -التي تسيطر على مناطق واسعة من شرق الكونغو- هجماتها على مواقع التعدين الاستراتيجية، فارضة ضرائب قسرية على الإنتاج. وتفيد التقارير بأن الحركة تجني شهرياً نحو 800 ألف دولار من سيطرتها على هذه المناطق، مما يمنحها قدرة مالية على استدامة عملياتها العسكرية.
وفي أبريل الماضي، شن مسلحون هجوماً عنيفاً على منجم موتشاتشا، أحد أكبر مناجم الذهب في البلاد، مما أسفر عن مقتل جنود ومدنيين واختطاف أكثر من 100 شخص، في مشهد يعكس وحشية الصراع على الموارد.
نمط عابر للحدود
لا يقتصر استغلال قطاع التعدين على منطقة بعينها، بل أصبح نمطاً سائداً في العديد من الدول الإفريقية:
- مالي: أكدت دراسة أممية تهريب 87 بالمئة من الذهب المنتج محلياً عبر جماعات مسلحة، بقيمة تقدر بـ 6.3 مليار دولار.
- نيجيريا: تورطت شركات تعدين غير شرعية في دفع مبالغ طائلة لجماعة بوكو حرام مقابل الحماية، حيث تُستخدم معظم عائدات التعدين غير القانوني -المقدرة بـ 9 مليارات دولار- في تمويل الأنشطة الإرهابية.
- موزمبيق: استغل تنظيم داعش السيطرة على مواقع التعدين لتوسيع أنشطته التمويلية.
تحذيرات من تآكل السلطة المركزية
حذرت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود من أن سيطرة الجماعات الإرهابية على مناجم الذهب تمنحها نفوذاً مضاعفاً على السكان المحليين، وتؤدي إلى تأجيج دوامة العنف. وأكد خبراء أمنيون أن التحولات الجيوسياسية الحالية تجعل من الموارد الاستراتيجية عنصراً أساسياً في توجيه الأنشطة الإرهابية، مما يتطلب تكاتفاً دولياً وإقليمياً لقطع خطوط الإمداد المالي عن هذه التنظيمات، وهو ما أكد عليه الصحفي داني جوالي، مشدداً على أن العقوبات وحدها لا تكفي ما لم يرافقها اتفاق إقليمي شامل ينهي التدخلات في مناطق النزاع.


