في عمل نقدي يبتعد عن ضجيج التناول التقليدي، يفكك الأكاديمي والناقد الأردني الدكتور خليل الشيخ في كتابه الجديد سردية محمود درويش الشعرية: دراسة في تشكّلات القصيدة وتحوّلاتها، التجربة الشعرية للراحل محمود درويش، مقدماً قراءة تعيد رسم خريطة تلقي الشاعر من منظور بنيوي وفني رصين.
يقع الكتاب في 512 صفحة، ويستعرض مسيرة درويش من ديوانه الأول عصافير بلا أجنحة (1960) وصولاً إلى لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي. يتبنى المؤلف فرضية مركزية تقوم على أن شعر درويش ليس مجرد دواوين متراكمة، بل هو سردية متطورة تتشكل فيها القصيدة لتولد ما يليها، في تطور داخلي منضبط.
السرديات الكبرى: هيكلية التجربة
ينتظم الكتاب في ستة فصول رئيسية ترسم ملامح السرديات الكبرى في شعر درويش، وهي: سردية التكوين، سردية الخروج، سردية الماضي في الحاضر، سرود الشخصيات، سردية الذات والآخر، وسردية الرحيل. يرى الشيخ أن درويش لم يكن يكتب القصيدة الفلسطينية فحسب، بل كان يبني لغتها ومخيالها الخاص، محولاً مفردات مثل الزيتون والقهوة من رموز ريفية إلى عناصر في معجم شعري كوني.
قراءة سرود الشخصيات والطباقية
يخصص الكتاب حيزاً مهماً لإعادة الاعتبار لمشروع المرثيات عند درويش، حيث يقرأ الشيخ قصائد مثل طباق (التي تتناول إدوارد سعيد) بوصفها تشكيلاً شعرياً يتجاوز الرثاء التقليدي. يحلل الشيخ كيف وظف درويش ثنائيات المكان، والاسم، واللغة، ليشكل بنية سردية تجمع بين البراءة والتجربة، وتؤسس لذاكرة شعرية فردية وجماعية في آن واحد.
الخروج والميتافيزيقا
يتناول الكتاب في فصوله الأخيرة سردية الرحيل في أعمال مثل الجدارية ولاعب النرد، حيث يبلغ التحليل ذروته برصد انتقال درويش من صوت الأنا التي تسجل هويتها، إلى الأنا التي تسائل وجودها أمام الموت. يوضح الشيخ أن درويش في هذه المرحلة لم يعد يكتب قصيدة القضية بمعناها المباشر، بل انخرط في كتابة قصيدة الكائن الإنساني المحملة بالأسئلة الوجودية.
يخلص الكتاب إلى أن خليل الشيخ قدم دليل سفر في خرائط درويش الداخلية، معيداً الشاعر إلى رحاب الشعر الصافي الذي لا يحتاج إلى وثيقة سياسية أو راية أيديولوجية، بل يستمد بقاءه من قامته اللغوية وجمالياته الفنية التي لا تشيخ.


