نهاية عصر الاعتماد على واشنطن: أوروبا تعيد صياغة أمنها بعيداً عن المظلة الأمريكية

نهاية عصر الاعتماد على واشنطن: أوروبا تعيد صياغة أ

تشهد القارة الأوروبية تحولاً إستراتيجياً جذرياً، مدفوعاً بتراجع الثقة في الولايات المتحدة وتصاعد التهديدات الأمنية، في مسار ينهي عقوداً من الاعتماد على واشنطن ويؤسس لنظام دفاعي أوروبي أكثر استقلالية.

ويشير تحليل لمجلة فورين أفيرز إلى أن عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025 شكلت نقطة تحول مفصلية في العلاقات عبر الأطلسي. فقد أدرك الأوروبيون للمرة الأولى أن النموذج القائم على الثراء دون قوة عسكرية، والنفوذ دون تضحيات لم يعد قابلاً للاستمرار، مما دفع القارة نحو صياغة إستراتيجية كبرى تهدف لتحمل مسؤولية الأمن ذاتياً.

وتكشف استطلاعات الرأي حجم هذا التحول؛ إذ يرى 77% من الأوروبيين أن الحرب في أوكرانيا تمثل تهديداً مباشراً لبقاء أوروبا، بينما انخفضت الثقة في واشنطن كحليف موثوق إلى 11% فقط، مع تزايد المخاوف من عدم التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن القارة في حال تعرضها لهجوم.

عودة
عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025 شكلت نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي (الفرنسية)

الواقعية المبدئية: عقيدة الدفاع الجديدة

انعكس هذا التحول في تغير جوهري بالرأي العام والسياسات الحكومية، حيث باتت أغلبية الدول الأوروبية تؤيد زيادة الإنفاق الدفاعي، بل وتدعم إصدار ديون أوروبية مشتركة لتمويل مشاريع عسكرية، وهو ما كان يُعد سابقاً خطاً أحمر سياسياً.

وتقود ألمانيا هذا الحراك، إذ يُتوقع أن تصل ميزانيتها العسكرية إلى 172 مليار دولار بحلول عام 2029، مع توسع موازٍ في قدرات التصنيع الدفاعي، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة. كما بدأت دول مثل السويد وكرواتيا ودول البلطيق في إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية.

وقد استبدلت القارة قناعتها القديمة بأن التكامل الاقتصادي كفيل بضمان السلام، برؤية الواقعية المبدئية التي تبناها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والتي تقر بأن النظام الدولي الحالي تحكمه منطق القوة لا القوانين.

الاتحاد الأوروبي قد لا يتمكن من تبني إستراتيجية موحدة بسبب الخلافات الداخلية، إلا أن ذلك لن يمنع ظهور تكتلات دفاعية جديدة، مثل قوة التدخل المشتركة بقيادة بريطانيا، والمبادرات الفرنسية لتعزيز الردع النووي الأوروبي.

شراكة براغماتية لا عاطفية

تتجه العلاقة مع واشنطن نحو التحول من صداقة عاطفية إلى شراكة براغماتية، حيث تسعى أوروبا لبناء قدرات مستقلة داخل حلف الناتو وخارجه. وتخلص التحليلات إلى أن انتظار انتهاء ولايات الإدارات الأمريكية لم يعد خياراً، خاصة مع توجه واشنطن المستقبلي نحو إعطاء الأولوية القصوى لمواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

بناءً على ذلك، باتت القناعة الأوروبية راسخة بأن القارة يجب أن تمتلك إجابتها الخاصة على التحديات الأمنية، معلنةً بذلك بداية النهاية لعصر الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص