أطلقت كندا رسمياً أول إستراتيجية وطنية للطاقة النووية في تاريخها، معلنة بداية مرحلة النهضة النووية التي تهدف إلى تحويل القطاع من مصدر تقليدي للطاقة إلى محرك استراتيجي للنمو المستدام. وتأتي هذه الخطوة الطموحة في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية تشمل ركوداً فنياً خفيفاً، وارتفاعاً في بطالة الشباب، وضغوطاً في سلاسل التوريد.
تسعى الحكومة الكندية من خلال هذه الرؤية إلى تعزيز أمن الطاقة الوطني، ورفع مستويات الإنتاجية، وترسيخ مكانة كندا كقوة عالمية رائدة في تقنيات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا النووية المتقدمة.
محاور الإستراتيجية الوطنية
تعتمد الإستراتيجية على أربعة ركائز أساسية توازن بين أمن الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية ودفع عجلة الاقتصاد، وهي:
- بناء المفاعلات المحلية: إنشاء ما يصل إلى 10 مفاعلات نووية كبيرة، مع جدولة بدء بناء مفاعلين بحلول عام 2035.
- توسيع الشبكة الكهربائية: مضاعفة قدرة الشبكة الوطنية بحلول 2050 لتلبية الطلب المتزايد من قطاعات الذكاء الاصطناعي والصناعات الحديثة والسيارات الكهربائية.
- تعزيز الصادرات: زيادة إنتاج اليورانيوم والوقود النووي وتوسيع نطاق تصدير التكنولوجيا النووية الكندية.
- الابتكار المستقبلي: الاستثمار في مشروع دارلينغتون للمفاعلات الصغيرة (SMRs) وتقنيات الاندماج النووي.
تباين المواقف السياسية
في المقابل، واجهت الخطة انتقادات من زعيم حزب المحافظين، بيير بويليفر، الذي شكك في قدرة الحكومة الحالية على تحويل هذه الوعود إلى إنجازات ملموسة. ودعا بويليفر إلى تبني نهج يركز على إزالة القيود القانونية والبيروقراطية عن لجنة السلامة النووية لتسريع وتيرة المشاريع وخفض تكاليف الكهرباء.
التحليل الاقتصادي: آفاق النمو والسيادة الطاقية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور زياد الغزالي أن البرنامج النووي مرشح ليكون قاطرة للازدهار، حيث يتوقع أن يجذب استثمارات ضخمة في البنى التحتية ويخلق آلاف الوظائف التخصصية. وأوضح الغزالي أن توفير كهرباء موثوقة منخفضة الانبعاثات سيعزز القدرة التنافسية للصناعة الكندية ويقلل من مخاطر الركود.
من جانبه، أشار عادل إسكندر، الأستاذ بجامعة سيمون فريزر، إلى أن الإستراتيجية تشكل درعاً واقياً للاقتصاد الكندي، إذ تساهم في تنويع الشركاء التجاريين وتقليل الاعتماد على السوق الأمريكي، خاصة في ظل التوترات التجارية العالمية. وأضاف أن كندا تستهدف دخول 4 أسواق جديدة على الأقل بحلول عام 2040 لتصدير خدماتها الهندسية وتقنياتها النووية.
وعلى الرغم من التفاؤل، حذر أستاذ الاقتصاد بجامعة ماكماستر، عاطف قبرصي، من أن الصادرات النووية ستشكل تعويضاً جزئياً ومحدوداً عن خسائر التبادل التجاري مع الولايات المتحدة، مؤكداً ضرورة استمرار كندا في استراتيجية تنويع الأسواق العالمية لضمان أمنها التجاري.
تعتمد هذه الإستراتيجية على رصيد كندي قوي، حيث تمتلك حالياً 17 مفاعلاً عاملاً تنتج ما بين 13% إلى 15% من احتياجاتها الكهربائية، مع استنادها إلى احتياطيات يورانيوم ضخمة في ساسكاتشوان، مما يجعلها ركيزة أساسية في إعادة تشكيل خريطة الطاقة الدولية.


