في بوغوتا، يتردد سؤال جوهري يختزل معاناة عقود من النزاع: هل يمكن لأي مجتمع أن يضمن لأبنائه حياة خالية من ويلات الحرب؟ بالنسبة لخورخي سواريز، ابن القائد السابق في حركة فارك المعروف بلقب مونو خوخوي، ليست هذه القضية مجرد نقاش سياسي، بل هي واقع عاشه بعد أن دفعته التهديدات الأمنية للالتحاق بصفوف المسلحين في شبابه.
الرهان على السلام: من السلاح إلى السياسة
بعد اتفاق السلام التاريخي عام 2016، اختار سواريز مساراً مختلفاً، متنقلاً من العمل المسلح إلى المجال الأكاديمي والسياسي. وهو يرى أن سياسة السلام الشامل التي تبنتها حكومة الرئيس اليساري غوستافو بيترو نجحت في وضع ملف السلام على رأس أولويات الدولة، مؤكداً أن السلام يجب أن يكون سياسة دولة عابرة للحكومات.
مشهد أمني أكثر تعقيداً
يؤكد خافيير فلوريس، مدير برنامج النزاع والأمن في مؤسسة الأفكار من أجل السلام (FIP)، أن طبيعة الصراع في كولومبيا تغيرت جذرياً. فبعد تفكيك فارك، لم يعد المشهد يتسم بوجود فاعل مسلح مهيمن، بل بات يتسم بتشتت الجماعات المسلحة التي باتت تعتمد على خليط من الأنشطة الإجرامية، من التعدين غير القانوني والابتزاز إلى تجارة المخدرات العابرة للحدود.
تحول نحو القبضة الأمنية
مع وصول الرئيس اليميني المنتخب أبيلاردو دي لاسبيريا إلى السلطة، تلوح في الأفق استراتيجية أمنية مغايرة. يطرح دي لاسبيريا برنامج خطة كولومبيا 2.0، الذي يعتمد على:
- استخدام التقنيات الحديثة مثل الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.
- بناء سجون شديدة الحراسة على غرار النموذج السلفادوري.
- تكثيف عمليات الرش الجوي والإزالة اليدوية لمزارع الكوكا.
- إنهاء مفاوضات السلام الشامل والتوجه نحو المواجهة العسكرية المباشرة.
انقسام في الرؤى
بينما يرى ليوناردو غونزاليس، مدير معهد إنديباز، أن تعزيز قدرات الدولة والتحقيق الجنائي أهداف منطقية وضرورية، فإنه يحذر من اختزال الأمن في المقاربة العسكرية وحدها، مشدداً على ضرورة ترسيخ شرعية الدولة في المناطق المهمشة.
في المقابل، يرسم المحلل السياسي خايرو إسترادا صورة أكثر قتامة، محذراً من أن التحالفات الجيوسياسية الجديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تؤدي إلى تصعيد المواجهة المسلحة وتحويل كولومبيا إلى ساحة تدخلات دولية متزايدة، مما يضع آفاق السلام في مهب الريح.


