على قمة جبل في جنوب غرب تركيا، تتوهج ألسنة اللهب باستمرار من الشقوق الصخرية عبر مساحة تقارب 5 آلاف متر مربع، في واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة للدهشة في العالم. يُعرف هذا الموقع باسم جبل كيميرا أو يانارتاش (الصخرة المشتعلة)، حيث تنبعث نيران طبيعية من سفح الجبل، مكونة مشهداً يزداد سحراً بعد حلول الظلام.
وعلى خلاف الحرائق التقليدية، لا تتغذى هذه النيران على الخشب أو بفعل تدخل بشري، ولا تحتاج إلى مصدر وقود سطحي، بل ظلت مشتعلة بشكل متواصل لأكثر من ألفي عام، مما ألهم أساطير الشعوب القديمة وحيّر العلماء في تفسير آلياتها الجيولوجية.
نقطة التقاء الجيولوجيا والأساطير
تقع صخور يانارتاش ضمن حدود متنزه أوليمبوس بيداغلاري الوطني غرب ولاية أنطاليا. وقد وثّق كتّاب الإغريق والرومان هذه الظاهرة، حيث أشار العالم الروماني بليني الأكبر في كتابه التاريخ الطبيعي إلى أن هذه النيران لا تنطفئ مطلقاً. كما وصف الكاتب الإغريقي باليفاتوس في مؤلفه عن الأشياء المدهشة وجود فتحة عظيمة في الأرض تخرج منها النار.
ويربط المؤرخون والعلماء بين الموقع وأسطورة الكيميرا المذكورة في الإلياذة لهوميروس، وهي مخلوق أسطوري نافث للنار، حيث يُعتقد أن النيران الطبيعية هي التي ألهمت هذه الحكايات. وبالقرب من هذه النيران، توجد أطلال معبد مكرس لـ هيفايستوس، إله النار وصناعة المعادن في الميثولوجيا اليونانية.
من الأسطورة إلى التفسير العلمي
يدرك العلماء اليوم أن هذه الألسنة الملتهبة تتغذى على الميثان اللاأحيائي، وهو غاز لا ينتج عن تحلل الكائنات الحية، بل ينشأ من تفاعلات كيميائية بين الماء وصخور أعماق القشرة الأرضية. يوضح الخبراء أن استمرار الاشتعال يعود إلى تدفق الغاز من خزان طبيعي مضغوط، حيث يعمل ضغط الخزان كآلية لدفع الغاز نحو السطح عبر الشقوق الصخرية.
آليات التكوين وأسرار الأرض
أظهرت دراسات مشروع مرصد الكربون العميق أن الميثان اللاأحيائي يتكون عبر عملية السربنتنة، وهي تفاعل كيميائي بين صخور البريدوتيت والمياه المتسربة. وتتضمن الوصفة الطبيعية لهذا التفاعل:
- الهيدروجين المستخلص من الماء.
- الكربون غير العضوي الموجود في المعادن.
- وجود محفزات معدنية غنية بالفلزات.
ولا تقتصر أهمية هذه الظاهرة على التوثيق الجيولوجي فحسب، بل تمتد لتكون محوراً مهماً في أبحاث علوم الكواكب وأصل الحياة، حيث يدرس العلماء إمكانية وجود عمليات مشابهة في باطن المريخ أو الأقمار الجليدية لنظامنا الشمسي. ويأمل الباحثون في المستقبل استخدام تقنيات المسح الزلزالي والقياسات الجاذبية لتحديد الموقع الدقيق وحجم الخزان الغازي الذي يغذي هذه الشعلة الأبدية.


