قبل آلاف السنين، في شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك، وضع الإنسان اللبنة الأولى لعلاقة استراتيجية مع نبات أحدث ثورة في مسار الزراعة والتجارة العالمية: القطن. وعلى الرغم من كونه في بداياته مجرد نبات بري محدود الإنتاج، إلا أن التدخل البشري الذكي حوله إلى سيد المحاصيل الذي يكسو اليوم 90% من سكان الأرض.
كشفت دراسة جينومية حديثة، نُشرت في مجلة بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز (PNAS)، أن ما يعرف بـ القطن المكسيكي أو القطن الزغبي يعود إلى أصل تدجين واحد، مر بثلاث مراحل تطورية كبرى صاغها المزارعون القدماء بمهارة فائقة عبر اختيار الصفات الوراثية الأكثر نفعاً.
من نبات بري إلى ثورة زراعية
اعتمد الفريق البحثي على خريطة جينية شملت 2910 عينات من القطن، كشفت أن المسيرة بدأت من سلالة يوكاتاننس البرية. ومع مرور الزمن، نجح المزارعون في اختيار طفرات جينية غيرت من سلوك النبات، لا سيما في توقيت الإزهار. كان القطن في الأصل حساساً لطول النهار، مما حصر زراعته في المناطق المدارية، ولكن بفضل الطفرات المختارة، أصبح النبات قادراً على التأقلم في بيئات جغرافية متنوعة.

المفاتيح الجينية للنجاح
حدد الباحثون جينات محددة كانت كلمة السر في هذا التحول التاريخي:
- جين (جي إتش تي أو إف دي 06): المسؤول عن تنظيم حساسية النبات للضوء وتوقيت الإزهار، وهو ما سمح بالتوسع العالمي للزراعة.
- جين (دي إتش إف إل دي 11): المرتبط بطول الألياف، مما رفع من جودة المنسوجات.
- جين (جي إتش إس آي دي 05): المرتبط بوزن البذور وإنتاجيتها الاقتصادية.
نظرة نحو المستقبل
يؤكد الخبراء أن هذه النتائج لا تخدم التاريخ فحسب، بل تفتح آفاقاً جديدة أمام مربي النباتات لتطوير أصناف أكثر مقاومة للتغير المناخي. فمن خلال فهم كيفية تلاعب المزارعين القدماء بالجينوم -دون أن يدركوا ماهيته العلمية- يمكن للعلماء اليوم استنساخ هذه التجارب لضمان أمن الموارد الزراعية في ظل الضغوط البيئية المتزايدة.


