أثار يان لوكون، أحد أبرز الوجوه في عالم الذكاء الاصطناعي وكبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في شركة ميتا، جدلاً واسعاً بتصريحاته التي قلل فيها من قدرات الأنظمة الحالية، مؤكداً أنها لا تمتلك فهماً جوهرياً للعالم من حولنا.
وأوضح لوكون، الذي أسس مختبرات الذكاء الآلي المتقدم، أن النماذج اللغوية الكبيرة مثل شات جي بي تي وكلود وجيميني تفتقر إلى القدرة على التعامل مع تعقيدات العالم المادي. وقال: لا نملك روبوتات تقترب حتى من مستوى الفئران في فهم العالم المادي. هذه الأنظمة لها استخداماتها، لكنها لن تكون قادرة أبداً على التعامل مع مواقف معقدة، مثل تمكين روبوت من أداء أعمال منزلية.
قصور النماذج اللغوية
يرى لوكون أن تلك النماذج لا تعمل في جوهرها إلا عبر تجميع المعرفة واسترجاع الأنماط الإحصائية، فهي ليست ذكية بمعناها الحقيقي، ولا تدرك طبيعة المادة أو الفيزياء. ولتوضيح ذلك، طرح مثالاً بسيطاً: إذا وضعت قلماً على طرفه، سيدرك أي طفل أنه سيسقط، لكن لا يمكن التنبؤ باتجاه سقوطه. النموذج اللغوي سيحاول توليد توقع واحد بناءً على الإحصائيات، وهو غالباً ما يكون خاطئاً لأنه لا يستدل من الواقع المادي.
ولهذا السبب، تركز مختبرات لوكون على تطوير بنية جديدة تُعرف بـ بنية التنبؤ بالتضمين المشترك، والتي تهدف إلى بناء نماذج تجريدية لعالم الواقع تتيح للذكاء الاصطناعي تقييم النتائج المترتبة على الأفعال، مع تجاهل المعلومات غير الضرورية.
عقد الأنظمة القادرة على التفسير
ويتفق مع هذا الطرح إنغمار بوسنر، أستاذ الذكاء الاصطناعي التطبيقي في جامعة أكسفورد، الذي يؤكد أن العقد المقبل سيكون عقد الأنظمة القادرة على التفسير. ويشير بوسنر إلى أننا بحاجة ماسة إلى نماذج قادرة على الإجابة عن أسئلة جوهرية مثل: ما الذي يسبب ماذا؟ وماذا سيحدث لو غيرت الإجراء؟.
ويعمل فريق بوسنر على تطوير ما يسمى بـ نماذج العالم، وهي أنظمة قادرة على تنظيم المعرفة ودمجها وتعديلها. وقد استلهمت هذه الأبحاث من أفكار أكاديمية سابقة، وتطورت لتشمل نماذج مثل دريمر من غوغل، الذي أظهر قدرة على تعلم مهارات في ألعاب الفيديو عبر تخيل سيناريوهات مستقبلية.
مستقبل البشرية والذكاء الاصطناعي
وعن مصير البشر في عالم قد تهيمن فيه روبوتات مستقلة، يطمئن لوكون قائلاً: سنظل بحاجة إلى البشر لتحديد الأسئلة التي ينبغي طرحها، وما الذي ينبغي ابتكاره. الذكاء الاصطناعي سيعمل في خدمتنا، وسيكون تفاعلنا معه مستقبلاً مشابهاً لتفاعل قائد أو سياسي مع فريق من المساعدين الأذكياء.
ومع استمرار تدفق الاستثمارات المليارية في هذا المجال، يظل التحدي الأكبر هو الانتقال من النماذج التي تكتفي بتوليد النصوص إلى أنظمة قادرة على التفاعل بذكاء مع بيئة العالم الحقيقي، وهو التحدي الذي يعتقد الخبراء أنه سيشكل ملامح المرحلة القادمة من الثورة التقنية.


