تحيي الولايات المتحدة الذكرى الـ250 لإعلان استقلالها وسط منعطف تاريخي استثنائي، حيث تخيم على احتفالات هذا العام ظلال كثيفة من الاستقطاب السياسي الحاد، والتراجع الاقتصادي النسبي، والانقسام المجتمعي الذي يطال جوهر الهوية الوطنية الأمريكية.
وفي قراءة تحليلية للمشهد، يرى الكاتب جيرارد بيكر أن المزاج العام الأمريكي في هذه الذكرى هو الأكثر تشاؤماً منذ عقود، متسائلاً عما إذا كانت أمريكا قد استنفدت طاقتها بعد قرنين ونصف من الزمان، واصفاً البلاد بأنها باتت منقسمة، ساخطة، ومتهرئة.
احتفالات باهتة وتسييس للذكرى
بينما كانت احتفالات الذكرى المئوية الثانية عام 1976 لحظة لتوحيد الصفوف رغم الأزمات، تبدو احتفالات 2026 باهتة ومجزأة. فقد قاطعت ولايات ديمقراطية فعاليات رسمية، بينما تحول الاحتفال المركزي إلى مناسبة يغلب عليها الطابع السياسي المرتبط بالرئيس دونالد ترمب.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن فريق ترمب قد استولى على المشهد الاحتفالي، حيث كشفت مراسلة بوليتيكو صوفيا كاي عن أزمة تمويل حادة واجهت لجنة أمريكا 250 المستقلة، مما أدى إلى غيابها عن المشهد لصالح فعاليات طغى عليها الحضور السياسي للرئيس، بما في ذلك عروض الألعاب النارية الضخمة التي اعتبرها الكثيرون أشبه بتجمع انتخابي.

قوة كامنة أم أفول؟
ورغم حالة التشاؤم، يحذر بيكر من التسرع في كتابة شهادة وفاة الجمهورية الأمريكية، مشيراً إلى أن الاقتصاد الأمريكي ما زال يحتفظ بتفوقه العالمي وقدرته على الابتكار. ويستشهد بيكر بمقولة جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان تشيس، الذي يؤكد أن أمريكا تظل الوجهة الأولى للاستثمارات العالمية رغم كل التحديات.
النظام الدستوري الأمريكي ما زال قادرا على فرض الضوابط والتوازنات، وليس أدل على ذلك من قرارات المحكمة العليا التي أبطلت بعض أبرز أوامر ترمب التنفيذية، مثل فرض الرسوم الجمركية ومحاولة إنهاء حق المواطنة بالولادة.
-- الكاتب جيرارد بيكر

رؤية نقدية: مشروع لم يكتمل
في المقابل، يتبنى الكاتب جميل سميث في صحيفة الغارديان رؤية أكثر تشاؤماً، معتبراً أن إعلان الاستقلال عام 1776 لم يكن شهادة ميلاد حقيقية للحرية نظراً لاستمرار العبودية آنذاك. ويرى سميث أن الولايات المتحدة ليست بناءً مكتملاً، بل مشروعاً يحتاج إلى إصلاح دائم، منتقداً قرارات المحكمة العليا الأخيرة التي اعتبر أنها أضعفت الضمانات الدستورية ضد الفساد والتمييز.
ومع دخول الولايات المتحدة ربع الألفية الثالثة من عمرها، يبقى السؤال معلقاً: هل تشهد البلاد بداية أفول قوتها، أم أنها مجرد محطة جديدة في تاريخ طويل من الأزمات التي اعتادت الجمهورية تجاوزها؟


