لطالما شكّل رسم خريطة دقيقة لمجرة درب التبانة تحدياً علمياً معقداً، نظراً لموقع الأرض داخل قرص المجرة، مما يحجب الرؤية الكاملة عنها. ولعقود، اعتمد الفلكيون على نماذج دوران المجرة وحركة سحب الغاز لتقدير المسافات، وهي طرق كانت تكتنفها نسب من عدم اليقين، خاصة في المناطق الخارجية للمجرة.
اليوم، أحدث فريق دولي من الباحثين اختراقاً علمياً عبر اعتماد طريقة هندسية مبتكرة لقياس المسافات، نُشرت نتائجها في مجلة الفلك والفيزياء الفلكية (Astronomy & Astrophysics)، لتكشف أن أجزاءً من درب التبانة تقع على مسافات أبعد مما كان يُعتقد سابقاً.
أصداء الضوء: بوصلة القياس الجديدة
اعتمدت الدراسة على ظاهرة أصداء الضوء الناتجة عن انفجارات أشعة غاما، وهي الأعنف في الكون. فعندما تصطدم الأشعة السينية الناتجة عن هذه الانفجارات بحبيبات الغبار داخل الأذرع الحلزونية، تنعكس على هيئة حلقات ضوئية متوسعة.
ومن خلال سرعة تمدد هذه الحلقات، تمكن العلماء من حساب المسافات بدقة هندسية بحتة، بعيداً عن الفرضيات المتعلقة بسرعة دوران المجرة. وأكدت الدكتورة بياتريتشه فايا، المشاركة في الدراسة، أن هذه الطريقة توفر قياسات مباشرة ودقيقة للأذرع الحلزونية.
انفجار 2022 كأداة بحثية
استند الباحثون إلى بيانات مرصدي إكس إم إم نيوتن وتشاندرا للأشعة السينية، مستفيدين بشكل خاص من انفجار أشعة غاما شديد السطوع الذي رُصد عام 2022. وقد أتاح هذا الحدث دراسة سحب الغبار على مسافات تصل إلى عشرات الآلاف من السنين الضوئية.
نتائج صادمة: درب التبانة أكثر اتساعاً
كشفت القياسات أن ذراع الترس–قنطورس الخارجي يقع على بعد 62 ألف سنة ضوئية من الأرض، بهامش خطأ لا يتجاوز 1%. والمفاجأة الأكبر كانت في أن اثنين من أبعد أذرع المجرة يقعان على مسافات تزيد بنحو 10% عما كانت تشير إليه الخرائط القديمة، مما يعني أن الحجم الحقيقي للأجزاء الخارجية للمجرة كان مقدراً بأقل من واقعه الفعلي.
آفاق جديدة للفهم الكوني
تفتح هذه النتائج الباب أمام بناء خريطة ثلاثية الأبعاد أكثر دقة لدرب التبانة، مما يساعد العلماء على إعادة تقييم نماذج توزيع المادة المظلمة وتاريخ تطور المجرة. ومع تقدم تقنيات الرصد، ننتقل إلى عصر جديد لا نكتفي فيه برصد السماء، بل نعيد فيه صياغة فهمنا لموقعنا داخل هذا الكون الشاسع.


