يمر المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية بأزمة هوية جماعية غير مسبوقة، فجرتها التداعيات المتلاحقة لهجوم السابع من أكتوبر 2023 والحروب التي تلت ذلك، مما أعاد طرح أسئلة تاريخية معقدة حول طبيعة الوجود اليهودي في الغرب، ومعضلة الجمع بين الخصوصية الدينية والاندماج الكامل في المجتمعات الحديثة.
في مقال تحليلي بصحيفة نيويورك تايمز، يرى الكاتب ليمان نيكولاس، العميد السابق لكلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أن هذا التحول في الوجدان اليهودي الأمريكي يمثل قطيعة مع عقود من الاستقرار، مستنداً في رؤيته إلى تاريخ طويل من السجالات الفكرية والسياسية حول الصهيونية والليبرالية.
جذور التباين: من وثيقة بيتسبرغ إلى الواقع المعاصر
يعود نيكولاس إلى وثيقة بيتسبرغ لعام 1885، التي أرست دعائم اليهودية الإصلاحية في أمريكا، حيث نُظر لليهود كجماعة دينية لا كأمة ذات طموح سياسي. ومع ذلك، تغير هذا المسار مع صعود النازية، حيث تحولت الصهيونية تدريجياً إلى ركيزة أساسية في الوعي الجماعي اليهودي الأمريكي، باعتبارها موقفاً ليبرالياً يدعم دولة ديمقراطية للاجئين.
ليمان نيكولاس:
لم يعد السياسيون في الحزبين الديمقراطي والجمهوري بمعزل عن الضغوط الجماهيرية المناهضة للسياسات الإسرائيلية، مما خلق وضعاً صادماً لم يعد فيه ممكناً لليهودي أن يكون مرتاحاً لهويته، وصهيونياً، وليبرالياً، ومقبولاً تماماً خارج النطاق اليهودي في آن واحد.
انهيار منطقة الراحة
طوال النصف الثاني من القرن العشرين، نجح اليهود الأمريكيون في صياغة نموذج يدمج بين النجاح المهني والهوية الثقافية والتوجه الصهيوني. لكن هذا الانسجام تداعى أمام الانتقادات الدولية الحادة لإسرائيل، حيث بات مصطلح صهيوني يُستخدم في الأوساط التقدمية كنعث سلبي، مما وضع اليهود الأمريكيين في مأزق سياسي واجتماعي خانق.
استحالة الانفصال النفسي
رغم الضغوط، يؤكد الكاتب أن الانفصال النفسي عن إسرائيل يبدو مستحيلاً لغالبية اليهود الأمريكيين. فوفقاً لاستطلاعات الرأي، يرى ثلاثة أرباعهم أن إسرائيل حيوية لمستقبل الشعب اليهودي، وهو ارتباط تغذيه الروابط العائلية العميقة والسردية التاريخية والدينية التي تجعل من الصعب فصل الصهيونية عن الهوية الذاتية.
إعادة تعريف التوقعات
في ختام تحليله، يقدم نيكولاس رؤية تدعو اليهود الليبراليين إلى التخلي عن وهم الانسجام التام مع القيم العالمية، مشدداً على ضرورة الانكباب على دراسة التراث الديني والنصوص الجوهرية. ويرى أن قبول وضع الغريب أو البيني هو قدر تاريخي، يمكن التعايش معه عبر التمسك بالخصوصية الطقسية والتضامن الجماعي بدلاً من الرهان على القبول السياسي الكامل.


