كشفت دراسة علمية حديثة، نُشرت في مجلة Nature Communications، عن مقاربة مبتكرة لفهم كيفية تفاعل جسم الإنسان مع الآلاف من المواد الكيميائية المحيطة به، بعيداً عن التصنيفات التقليدية التي تعتمد على التركيب الكيميائي فقط.
نهج جديد: الوظيفة قبل التركيب
أجرى باحثون من مركز أبحاث الطب الجزيئي (CeMM) ومعهد لودفيج بولتزمان بجامعة فيينا، دراسة اعتمدت على تحليل نحو 10,000 تعرض بيئي، شملت الملوثات، ومكونات الغذاء، والأدوية. وبدلاً من تصنيف هذه المواد حسب مصدرها، ركز العلماء على تأثيرها الوظيفي داخل الجسم، وبناء خريطة بيولوجية تربط بين هذه التعرضات بناءً على تأثيراتها المشتركة على الجينات البشرية.
تُظهر هذه الخريطة مفارقة علمية؛ فمواد مختلفة تماماً في تركيبها قد تُحدث التأثير البيولوجي نفسه، بينما قد تؤدي مواد متشابهة كيميائياً إلى نتائج متناقضة داخل الخلايا.
أنماط التفاعل داخل المسارات الحيوية
أوضحت النتائج أن التعرضات البيئية تتجمع في مجموعات ترتبط بوظائف حيوية محددة، مثل:
- عمليات الالتهاب.
- الأيض (التمثيل الغذائي).
- تخثر الدم.
ويشير الباحثون إلى أن الجسم لا يستجيب للمواد بناءً على شكلها الخارجي، بل بناءً على النظام الحيوي الذي تتفاعل معه داخل الخلايا، مما يفسر تباين الاستجابات البشرية تجاه العوامل البيئية.
دور البروتينات المركزية في حدوث الضرر
كشف البحث عن آلية دقيقة تفسر لماذا تكون بعض المواد أكثر ضرراً من غيرها؛ حيث ترتبط خطورة المادة بمدى تأثيرها على شبكات البروتين داخل الخلايا. فالمواد التي تستهدف البروتينات التي تلعب دوراً محورياً في تنظيم العمليات الحيوية، تؤدي إلى خلل ينتشر بسرعة عبر شبكة واسعة من التفاعلات، مما يضاعف من حدة الضرر الصحي.
ربط النتائج بالواقع الصحي
عند مقارنة هذه النتائج ببيانات صحية وبيئية من دول أوروبية، وجد الباحثون ترابطاً وثيقاً بين المناطق التي تسجل مستويات عالية من تعرضات معينة، وبين معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بها جزيئياً. ويفتح هذا الاكتشاف آفاقاً واعدة في:
- التنبؤ بالمخاطر الصحية بشكل أكثر دقة عبر قياس المسافة البيولوجية.
- اكتشاف مخاطر بيئية غير ظاهرة حالياً.
- تطوير استراتيجيات وقائية متقدمة للحد من الأمراض قبل تفاقمها.


