لم يعد السلوك الإيراني في مضيق هرمز مجرد مناورة دبلوماسية أو ورقة تفاوض كما كان يُصنف سابقاً، بل تحول إلى محاولة ممنهجة لاختطاف أحد أهم الممرات المائية في العالم، مدفوعاً بوهم السيطرة الجغرافية التي يظن النظام في طهران أنها تمنحه صك وصاية على مصائر الآخرين.
إن سلسلة الانتهاكات التي شملت استهداف ناقلات النفط، ومضايقة السفن التجارية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي، والعدوان داخل المياه العمانية، تتجاوز كونها حوادث عابرة؛ فهي تحدٍ سافر للقانون الدولي والنظام البحري الذي يقوم عليه الاقتصاد العالمي.
يقع النظام الإيراني في فخ خطير صنعه بنفسه حين يظن بأن صبر المجتمع الدولي على استفزازاته المتكررة يعني قبولا ضمنيا بها. سنوات من الاحتواء والدبلوماسية الحذرة التي مارستها القوى الإقليمية والدولية، فسرتها بعض دوائر صنع القرار في طهران على أنه ضعف.
قرصنة بغطاء سياسي
تُمارس طهران سلوكاً عدوانياً يقترب من مفهوم القرصنة البحرية، لكنها قرصنة ترتدي عباءة الدولة وتتذرع بخطاب الدفاع عن النفس. تسعى إيران لفرض معادلة فجة مفادها أن أمن الخليج لا يتحقق إلا بإذن مسبق منها، وهي معادلة لا تستند إلى قانون أو موازين قوى، بل إلى سياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
لقد فسرت طهران -بعمى إستراتيجي- محاولات القوى الإقليمية لتجنيب المنطقة مواجهة شاملة على أنها تردد، متجاهلة الفرق الجوهري بين ضبط النفس الإستراتيجي والاستسلام لسياسة الابتزاز الممنهج.
كل مرة تمنح فيها طهران فرصة جديدة لإعادة بناء الثقة، تعود بعض مؤسساتها -وتحديدا الأذرع العسكرية والأمنية الأكثر تشددا- إلى استخدام التوتر أداة للتفاوض، والضغط وسيلة للحصول على مكاسب.
من إدارة الأزمات إلى صناعة الردع
يتجاهل النظام الإيراني حقيقة أن أمن الخليج ليس حكراً على دولة واحدة، بل هو فضاء سيادي وممر دولي تحكمه قواعد صارمة. ولمواجهة هذه العقلية التي تعيش في أوهام الهيمنة، بات لزاماً على دول مجلس التعاون الخليجي التحول من سياسة إدارة الأزمات الدفاعية إلى سياسة صناعة الردع الفاعلة، وذلك من خلال:
- تعزيز منظومة الأمن البحري الخليجي المشترك بقدرات ردع حقيقية.
- تكثيف التعاون الاستخباراتي لرصد التحركات العدائية مبكراً.
- التوثيق القانوني الدقيق لكل انتهاك بحري للتمهيد للمساءلة الدولية.
- العمل مع الشركاء الدوليين لترسيخ حرية الملاحة كخط أحمر لا يقبل المساومة.
المطلوب اليوم ليس مزيدا من الصبر أو الانتظار، بل انتقال جذري وحاسم لدول مجلس التعاون الخليجي من سياسة إدارة الأزمات الدفاعية إلى سياسة صناعة الردع الفاعلة.
المنطق البالي للوصاية
في الوقت الذي يتجه فيه الخليج نحو مرحلة تاريخية قائمة على تنويع الاقتصاد وربط القارات، لا تزال دوائر القرار في طهران أسيرة لعقلية الصراع الدائم. إن مستقبل المنطقة لن يُكتب بمنطق الوصاية البالية، ولن يرسم تحت تهديد السلاح.
ختاماً، لم يعد مقبولاً الفصل بين مسار الحوار السياسي والسلوك الإيراني على الأرض. فالمعادلة الجديدة يجب أن تكون صارمة: لا انفتاح سياسياً أو تعاوناً اقتصادياً مع طهران ما لم يقترن ذلك بتغيير حقيقي وملموس في سلوكها الإقليمي، واحترام مطلق للسيادة والقانون الدولي.


