لم يعد الجدل الكروي حول المقارنة بين ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو مجرد نقاش رياضي عابر، بل تحول إلى نافذة لفهم أعمق لكيفية إعادة تشكيل المنصات الرقمية لتفضيلات الجمهور، ليس فقط في الرياضة، بل في السياسة والثقافة والنجومية أيضاً.
كشفت دراسة حديثة بعنوان الهوية السياسية خارج السياسة: تفضيل ميسي ورونالدو عبر 26 دولة، شملت أكثر من 10 آلاف بالغ، عن وجود علاقة لافتة بين التوجه السياسي واستهلاك الفيديوهات الخبرية القصيرة من جهة، وتفضيل أحد النجمين من جهة أخرى؛ حيث يميل الليبراليون إلى تفضيل ميسي، بينما يميل المحافظون إلى رونالدو.
بيئة الخلاصة الموحدة وتوجيه الذوق
تؤكد النتائج أن المسألة ليست في كمية ما يستهلكه الجمهور من إعلام، بل في أين يستهلكه. فبينما كانت الصحف والنشرات التلفزيونية تفصل تاريخياً بين أقسام السياسة والرياضة، تقوم منصات الفيديو القصير (تيك توك، إنستغرام ريلز، يوتيوب شورتس) بخلط كل شيء داخل خلاصة واحدة.
يرى الباحث الرئيسي للدراسة، سيف الدين أحمد، أن هذا الخلط هو جوهر عمل هذه المنصات. فالخوارزميات هي التي تصنع مناخ التفضيل، وبمرور الوقت، لا يشعر المستخدم بهذا التأثير كونه مفروضاً عليه، بل يراه ذوقاً شخصياً خالصاً.
رونالدو والمنطق البصري
تشير الدراسة إلى أن كريستيانو رونالدو يمتلك حضوراً أكثر ملاءمة لمنطق المنصات القصيرة؛ فطريقة تقديمه لذاته القائمة على الأداء البصري، التكرار، والظهور المكثف، تنسجم تماماً مع ما تكافئه الخوارزميات. وفي المقابل، يبدو حضور ميسي أكثر هدوءاً وأقل تصميماً لبيئة الاستعراض السريع.
تحديات جديدة أمام المؤسسات الصحفية
بالنسبة للمؤسسات الصحفية، تضع هذه النتائج استراتيجيات التوزيع أمام تحدٍ وجودي؛ فلم يعد كافياً إنتاج محتوى دقيق وجاد، لأن هذا المحتوى لا يصل داخل وعاء محايد. فعندما يظهر تقرير إخباري جاد بين مقاطع ترفيهية وإشارات قيمية خوارزمية، يذوب الخبر داخل سيل من الانطباعات الترفيهية.
تخلص الدراسة إلى حقيقة مقلقة للصحافة: أن الاعتقاد يمكن تفنيده بالحجة والبيانات، أما الذوق الذي تشكله الخوارزميات فيصعب تصحيحه. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً لدى الأجيال الشابة، التي تتشكل هوياتها ضمن بيئة رقمية لا تميز بين الخبر السياسي واللقطة الرياضية أو نصيحة المشاهير.


