في مدينة دوالا الكاميرونية، حيث تختلط أصوات الموانئ بضجيج الأحياء الفقيرة، تعيش ماما ريجينا حالة من الانتظار القاتل. على جدار منزلها، لا تزال صورة ابنها موسى معلقة، بابتسامة تعود لزمن آخر، قبل أن تبتلعه حرب تبعد آلاف الكيلومترات عن موطنه.
منذ أكثر من عام، لم تعد ماما ريجينا تنتظر عودة ابنها حياً، بل تنتظر وصول جثمانه. تروي الأم بمرارة كيف تلقت خبر مقتله أثناء قتاله في صفوف القوات الروسية، حيث أصيب برصاصة أثناء اندفاعه نحو الخنادق. تقول بصوت يملؤه الإنهاك: لقد غادر من أجلنا.. ليحارب في حرب ليست حربنا.
هجرة من نوع جديد
تثير قصة موسى تساؤلات حول ظاهرة متنامية؛ حيث تشير تقديرات المسؤولين الأوكرانيين إلى وجود نحو 3000 مقاتل أفريقي من 35 دولة يقاتلون بجانب روسيا. وفي حين تنفي جهات روسية وجود عمليات تجنيد منظمة، مرجعة الأمر إلى علاقات تاريخية تعود لعهد الاتحاد السوفيتي وضغوط اقتصادية تدفع الشباب للبحث عن مصادر دخل، ترى الباحثة الأكاديمية عائشة بمبورا أن الأمر يتجاوز ذلك.
تؤكد بمبورا أن العديد من المتوجهين إلى روسيا هم جنود كاميرونيون مخضرمون، انخرطوا سابقاً في صراعات محلية، لكن القائمة تضم أيضاً طلاباً وخريجين عاطلين عن العمل، يغادرون بدافع البحث عن مستقبل أفضل، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام عقود عسكرية في ساحات معارك أوروبية.
جنود منسيون في ذاكرة التاريخ
تستحضر هذه الحرب ذكريات جنود التيراليير السنغاليين الذين خاضوا حروب أوروبا في القرن الماضي، ليتم تجاهل تضحياتهم لاحقاً. إن التاريخ غالباً ما يغفل وجوه غير الأوروبيين الذين شاركوا في صراعات القارة العجوز، واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ شباب أفارقة يُسحبون إلى أكثر النزاعات دموية منذ عام 1945.
بالنسبة لـ ماما ريجينا، يظل الجثمان هو الدليل الوحيد على أن ابنها وُجد، وأنه حارب، وأنه كان محبوباً، وأنه كان ضحية لحرب بعيدة امتدت لتخطف أرواح أبناء أفريقيا في صمت.


