خلف الأسطورة: كيف صاغت النساء مصير أوديسيوس في ملحمة هوميروس؟

خلف الأسطورة: كيف صاغت النساء مصير أوديسيوس في م

تعد ملحمة الأوديسة الشعرية لهوميروس، التي يعود تاريخها إلى نحو 2800 عام، عملاً يتجاوز كونه مجرد قصة تقليدية عن البطولة؛ فبينما يجسد بطل الملحمة، أوديسيوس، الطابع البطولي الذكوري، تتشكل أحداث القصة جوهرياً بفعل خطط ومؤامرات وإغراءات نساء وحوريات وساحرات وإلهات يلتقي بهن البطل أثناء رحلته، مما يضفي على الملحمة طابعاً إنسانياً معقداً.

تحكي الأوديسة قصة جندي يوناني أسطوري يسعى للعودة إلى مملكته إيثاكا بعد سنوات من القتال في حرب طروادة. وعلى الرغم من أن الشخصية المحورية رجل، فإن الملحمة عمل تتصدر فيه النساء المشهد، حيث يتحدد مسار البطل في كل منعطف بفعل استراتيجيات أنثوية، مما يجعلها قصة يتقاطع فيها الجنس والسلطة والذكاء الاستراتيجي.

كاليبسو: الجمود والاضطراب

تبدأ الملحمة وأوديسيوس يظهر باكياً على ساحل جزيرة أوغيجيا، بعد قضاء سبع سنوات مع الحورية كاليبسو. وبرغم بطولته السابقة، فإنه يبدو في حالة عجز تام، ولا يتحقق إطلاق سراحه إلا بقرار من مجلس الآلهة.

أوديسيوس
أوديسيوس والحورية كاليبسو، في بداية ملحمة الأوديسة، كانا يعيشان معاً لمدة سبع سنوات.

يميل القارئ المعاصر إلى تشخيص حالة الجمود التي يعانيها أوديسيوس بوصفها أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وهو ما يفسر تعلقه بكاليبسو التي اعترف بأن زوجته بينيلوبي لا تضاهيها جمالاً، لأن الأخيرة بشرية ستفنى.

بينيلوبي: المقاومة بالدهاء

لم تكن بينيلوبي، زوجة أوديسيوس، سلبية في غيابه، بل قاومت ببسالة ودهاء محاولات 108 من الخاطبين الذين احتشدوا في القصر طمعاً في الزواج منها واعتلاء عرش إيثاكا. ويظل مشهد نسجها لكفن والد زوجها لايرتيس وفك النسيج ليلاً من أكثر المشاهد رسوخاً، فهي هدف متحرك يتوقف نجاح أوديسيوس في استعادة عرشه على قدرتها على الصمود.

أثينا: المحركة الخفية للأحداث

تعد الإلهة أثينا أبرز مؤيدي أوديسيوس، بفضل ذكائها الاستراتيجي. فقد خططت لإنقاذه حينما تقاذفته الأمواج إلى أرض الفياشيين، وأخفت مظاهر ضعفه وأضفت على هيئته بهاءً إلهياً، مما ساعده في استمالة هذا الشعب البحّار الذي وفر له المأوى والكنوز ووسيلة العودة إلى إيثاكا.

اللافت أن أثينا كانت تتخذ غالباً هيئة رجل، مدركة أن الرجال هم أصحاب السلطة في العالم البشري، بينما النساء هن من يوجهن مجرى الأحداث عبر الحيلة والدهاء.

واجهات جميلة: السيرينات وسيرسي

في رحلة أوديسيوس، كانت الشخصيات النسائية الأكثر إثارة للرعب هي تلك التي تتسم بمظهر وديع. السيرينات، اللواتي يغوين الرجال بغنائهن العذب نحو الموت، وسيرسي، الساحرة التي تمتلك عقاقير تحول الرجال إلى خنازير، كنّ يختبرن عزم البطل.

الساحرة
في ملحمة الأوديسة لهوميروس تخفي الساحرة سيرسي قواها السحرية.

ومع ذلك، لم تكن سيرسي عائقاً فحسب، بل كانت عوناً لأوديسيوس، حيث هيأت له النزول إلى العالم السفلي للقاء العراف تيريسياس الذي أرشده للعودة إلى وطنه. إن الرسالة الباقية هنا هي أن مواجهة هذه القوى الأنثوية كانت ضرورية لأوديسيوس ليختبر قدرته على الاعتدال، وهي فضيلة كانت موضع تقدير بالغ لدى الإغريق.

في نهاية المطاف، يظل أوديسيوس بطلاً إنسانياً معقداً، وقابليته للاستسلام لإغراءات النساء ولجاذبية العوالم المهيبة كانت في آن واحد مصدر قوته وسبب سقوطه، وهو ما يفسر استمرار صدى هذه الملحمة في نفوسنا حتى يومنا هذا.

أوديسيوس
قدرة أوديسيوس على التأثر هي ما تجعله بطلاً إنسانياً مؤثراً للغاية.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص