كشفت دراسة أثرية حديثة نشرت في مجلة PNAS عن اكتشافات مثيرة في كهف أوتشاغيزلي 2 بجنوب تركيا، تشير إلى وجود روابط ثقافية محتملة بين إنسان النياندرتال والإنسان العاقل، تتجاوز مجرد التواجد في البيئة ذاتها.
وأوضح الباحث الرئيسي إسماعيل بايكارا، أستاذ علم الآثار في جامعة غازي عنتاب، أن النتائج تلمح إلى تفاعل حضاري وتبادل للتقاليد بين المجموعتين عبر الزمن، وهو ما يظهر في التشابه الكبير في صناعة الأدوات الحجرية وطرق الصيد، إضافة إلى الاهتمام المشترك بجمع أصداف معينة للزينة.
تسلسل زمني للاستيطان
بدأت أولى عمليات التنقيب المنهجية في الموقع عام 2020، وأظهرت الأحافير التي تضمنت أربع أسنان منفردة وفكًا جزئيًا، تعاقب سكن المجموعتين في الكهف:
- إنسان النياندرتال: استوطن الكهف قبل نحو 77 ألفًا إلى 59 ألف سنة.
- الإنسان العاقل: سكن الكهف لاحقًا قبل 59 ألفًا إلى 47 ألف سنة.
وأشار ناوكي موريموتو، الباحث من جامعة كيوتو، إلى أن المجموعتين حرصتا على نقل أصداف كولومبيلا روستيكا من ساحل البحر المتوسط إلى الكهف، مما يعزز فرضية وجود سلوك ثقافي مشترك.
أهمية الموقع في تاريخ الهجرة البشرية
يُعد كهف أوتشاغيزلي 2 موقعًا استثنائيًا يغطي فترة محورية تزامنت مع هجرة الإنسان العاقل من أفريقيا قبل نحو 60 ألف عام. ويرى لودوفيك سليماك، عالم الآثار في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، أن الاكتشاف يغير النظرة التقليدية التي كانت تفترض أن الإنسان الحديث حل محل النياندرتال بثقافة متفوقة تقنيًا بشكل مطلق.
ويضيف سليماك أن النتائج تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا، حيث تبدو المجموعات البشرية في تلك الحقبة جزءًا من تقاليد محلية راسخة. ويُقدم الموقع مقارنة لافتة مع كهف ماندرين في فرنسا، مما يشير إلى وجود مسارات ثقافية متعددة وموجات مختلفة من التفاعل والانتشار البشري في العالم القديم.
وخلص بايكارا إلى أن هذه النتائج تؤكد أن الثقافة البشرية لا تتشكل بالعوامل البيولوجية فقط، بل تلعب التقاليد المكتسبة والبيئة المحيطة دورًا جوهريًا في الحفاظ على سلوكيات مشتركة لآلاف السنين، داعيًا إلى توسيع الأبحاث الأثرية للتأكد مما إذا كان هذا الكهف حالة فريدة أم نمطًا سائدًا في تلك الحقبة.


