بين طائرات الليل المظلمة وزنازين السجون الأفريقية المنسية، تتكشف فصول مأساة إنسانية جديدة؛ حيث تحول المهاجرون الذين قصدوا الولايات المتحدة بحثاً عن الأمان إلى بضائع قانونية في صفقات ترحيل سرية، تقودها إدارة الرئيس دونالد ترمب عبر سياسة العصا والجزرة، مستخدمة التهديدات بقطع التأشيرات والمساعدات المالية لإجبار دول أفريقية على استقبالهم.
أولوية الترحيل: حين تصبح القارة السمراء منفىً إجبارياً
لم يدر بخلد المهاجر الكمبودي فياب روم، ولا غيره من الفارين من جحيم الحروب والتعذيب، أن رحلتهم إلى الحلم الأمريكي ستنتهي في سجون شديدة الحراسة في إسواتيني أو معسكرات غامضة في أوغندا وجنوب السودان. ووفقاً لمسؤولين سابقين في الخارجية الأمريكية، فإن واشنطن تستخدم الضغط الاقتصادي لفرض اتفاقيات تستقبل بموجبها دول أفريقية مرحّلين من جنسيات ثالثة لا صلة لهم بهذه القارة.
عصا التهديدات وجزرة الدولارات
تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على إبرام صفقات مالية ضخمة مقابل استقبال المبعدين. فعلى سبيل المثال، التزمت مملكة إسواتيني باستقبال 160 شخصاً مقابل 5.1 ملايين دولار، بينما وافقت رواندا على استقبال 250 شخصاً مقابل 7.5 ملايين دولار من المساعدات. ويرى حقوقيون أن هذا النهج يمثل شكلاً حديثاً من الاتجار بالبشر عبر قنوات رسمية، حيث يتم غسل الأيدي من مصير هؤلاء المهاجرين بمجرد خروجهم من الأراضي الأمريكية.
مصير مجهول وترحيل متسلسل
يروي المهاجرون قصصاً مروعة عن ترحيلهم ليلاً دون إخطار مسبق، حيث يجدون أنفسهم في بلدان لا يعرفون لغتها ولا قوانينها. وفي بعض الحالات، تقوم الدول المستقبلة بترحيلهم مرة أخرى إلى بلدانهم الأصلية التي فروا منها، فيما يعرف بـ الترحيل المتسلسل. ويؤكد محامون حقوقيون أن هؤلاء المهاجرين يُحتجزون في أماكن سرية دون تهم واضحة، محرومين من أبسط حقوق الدفاع، وسط تنصل أمريكي كامل من المسؤولية القانونية عن مصيرهم.
الابتزاز بالتأشيرات
تمثل سياسة تعليق منح التأشيرات أداة ضغط رئيسية؛ فالدول التي ترفض استقبال المبعدين تواجه قيوداً صارمة، بينما الدول التي ترضخ للضغوط الأمريكية تحصل على مكافآت اقتصادية، مثل رفع الرسوم الجمركية عن صادراتها. وتؤكد تقارير المنظمات غير الحكومية أن نحو 40% من اتفاقات الترحيل السرية أُبرمت مع دول أفريقية، مما يجعل القارة ساحة لتنفيذ سياسات هجرة مثيرة للجدل تتجاوز حدود الولايات المتحدة.


