قبل ثمانية وعشرين عاماً، وتحديداً في مايو 1998، قطعت أستراليا تعاونها الدفاعي مع الهند رداً على التجارب النووية في بوخران، حيث جُمدت التبادلات العسكرية وتم استدعاء الضباط الهنود من الكليات العسكرية الأسترالية. اليوم، تبدل المشهد تماماً، حيث أعلنت الدولتان خلال زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى أستراليا عن دعوة مدرب عسكري هندي للخدمة في كلية الدفاع الأسترالية؛ وهي رحلة تاريخية تحولت من العقوبات إلى الشراكة الاستراتيجية.
جولة مودي: رسم أفق استراتيجي جديد
لم تكن زيارة مودي مجرد نجاح دبلوماسي عابر، بل كشفت عن استراتيجية هندية طموحة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. شملت الجولة إندونيسيا وأستراليا ونيوزيلندا، وهي دول تمثل مفاتيح حيوية في التوازن الجيوسياسي الآسيوي:
- إندونيسيا: تشكل نقطة الارتكاز للهند نحو جنوب شرق آسيا، وتقع عند تقاطع المحيطين الهندي والهادئ.
- أستراليا: تحولت إلى واحدة من أهم الشركاء الاستراتيجيين للهند.
- نيوزيلندا: توسع النطاق الدبلوماسي للهند في عمق المحيط الهادئ.
تحديات عالمية وتغير في موازين القوى
تأتي هذه التحركات في سياق دولي معقد؛ حيث الصعود الصيني المتسارع، وحالة عدم اليقين في السياسة الأمريكية، وتحول الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد إلى أدوات للمنافسة الاستراتيجية. تسعى قوى مثل الهند، اليابان، إندونيسيا، وأستراليا لتجنب الانزلاق في حرب باردة جديدة أو الوقوع تحت الهيمنة الصينية.
من اليورانيوم إلى الشراكة التكنولوجية
لم تعد العلاقات بين نيودلهي وكانبيرا أسيرة للفرص الضائعة. فقد تم الاتفاق على تفعيل صادرات اليورانيوم للأغراض المدنية، وتعزيز التعاون في الأمن البحري، والأمن السيبراني، والطاقة النظيفة، والمعادن الحيوية. إن تحويل قضية اليورانيوم من رمز للقطيعة إلى أداة للشراكة يعكس عمق الثقة التي باتت تميز العلاقات بين البلدين، والتي تتجاوز مجرد القلق من الصعود الصيني لتصل إلى توافق في القيم الديمقراطية وسيادة القانون.
مبدأ الاستقلال الاستراتيجي
تؤكد السياسة الهندية الحالية أنها لا تسعى لاحتواء الصين كهدف بحد ذاته، ولا تنوي تعهيد سياساتها الخارجية لأي طرف آخر. إن الاستقلال الاستراتيجي للهند ليس تردداً في الاختيار، بل هو رفض لأن يتم اختيارها من قبل الآخرين. فالهند تتبنى نهجاً يقوم على التنافس حيث يلزم، والتعاون حيث يمكن، واستقرار العلاقات حيثما كان ذلك حصيفاً.
نحو نظام دولي متعدد الأقطاب
ترى الهند أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ لن تشكلها حاملات الطائرات والقمم الدولية فحسب، بل ستشكلها الشبكات: الشراكات البحرية، التحالفات التكنولوجية، وسلاسل الإمداد المرنة. وبصفتها قوة ذات وزن حضاري واقتصادي وديموغرافي فريد، لا ترغب الهند في العيش في عالم ثنائي القطب تهيمن عليه واشنطن وبكين، بل تسعى لنظام دولي مفتوح ومتعدد الأقطاب يقوم على القواعد لا على الإكراه.
إن جولة مودي تمثل لحظة فارقة؛ فالهند اليوم لم تعد تكتفي بدور القوة الموازنة، بل انتقلت لتكون قوة فاعلة ترسم معالم مستقبل المنطقة بعيداً عن التبعية لأي معسكر.


