في ظل التطور المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق، تتجه كندا نحو خطوة تشريعية مفصلية عبر طرح مشروع القانون C-36، المعروف بـ قانون حماية الخصوصية وبيانات المستهلك. يمثل هذا التشريع أكبر تحديث لقوانين الخصوصية في القطاع الخاص الكندي منذ أكثر من ربع قرن، حيث يعيد تعريف الخصوصية كحق أساسي، مع التركيز على حماية بيانات الأطفال وتعزيز الشفافية في القرارات التي تتخذها الخوارزميات.
إعادة تعريف الخصوصية: من جمع البيانات إلى الاستنتاج
يرى خبراء قانونيون، مثل إجناسيو كوفوني، أستاذ قانون وتنظيم الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد، أن القوانين التقليدية لم تعد كافية. فالمعضلة الحالية لا تكمن فقط في البيانات التي تجمعها الشركات، بل في المعلومات التي تستنتجها الخوارزميات عن المستخدمين دون علمهم.
ويشير كوفوني إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة قادرة على بناء ملفات تعريف دقيقة حول الحالة الصحية، الوضع المالي، أو السلوكيات الفردية بناءً على أنماط التسوق وتصفح الإنترنت، وهو ما يسعى مشروع القانون C-36 لمواجهته من خلال توسيع تعريف المعلومات الشخصية لتشمل المعلومات المستنتجة.
حماية الأطفال والمسؤولية الرقمية
يضع مشروع القانون الأطفال (تحت سن 18 عاماً) في صلب اهتماماته، حيث يصنف بياناتهم كمعلومات حساسة بطبيعتها، ويمنحهم حقوقاً أقوى في حذف بياناتهم الشخصية. ومع ذلك، يرى المختصون أن التحدي الحقيقي يتجاوز مجرد الخصوصية ليصل إلى العدالة الخوارزمية.
وتؤكد جيل ما، المؤسسة في مجال منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة للأطفال، أن الأثر الرقمي المبكر للطفل لا ينبغي أن يتحول إلى تصنيف دائم يلاحقه مدى الحياة، مشددة على ضرورة تعليم الذكاء الاصطناعي احترام الأفراد بدلاً من الاكتفاء بجمع بياناتهم.
التوازن بين الخصوصية والمصلحة العامة
يثير القانون تساؤلات حول كيفية الموازنة بين حماية الخصوصية وحق المجتمع في المعرفة. فبينما يرى البعض أن القيود على البيانات ضرورية، يحذر خبراء من أن الإفراط في التشدد قد يعيق عمل الصحافة الاستقصائية والمنظمات الحقوقية التي تعتمد على بيانات دقيقة لكشف الانتهاكات أو التحيز الخوارزمي.
في هذا السياق، صرح إيفان سولومون، وزير الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي الكندي، بأن الحكومة تهدف إلى حماية المواطنين مع ضمان استفادتهم من التكنولوجيا، مؤكداً أن هذه الأهداف ليست متناقضة، وأن الحوار سيستمر مع كافة الأطراف المعنية لضمان بقاء الإطار التنظيمي فعالاً ومستجيباً للتحديات المتغيرة.


