في قلب ساحة المحطات الثلاث بموسكو، حيث يتسارع إيقاع الحياة اليومية بين حشود المسافرين وخطوط المترو، يقف مبنى تاريخي كان طي النسيان ليتحول اليوم إلى وجهة ثقافية استثنائية. المستودع الدائري لسكك حديد نيكولايفسكايا، الذي ظل قرابة قرنين شاهداً على عصر القاطرات البخارية، يفتح أبوابه بحلة جديدة تحت اسم مركز تون الثقافي.
لماذا تون؟
اختير اسم تون ليحمل دلالة مزدوجة؛ فهو يشير من جهة إلى النغمات الموسيقية، ويخلّد من جهة أخرى اسم المهندس المعماري الشهير قسطنطين تون (1794-1881)، صاحب التصميم الأصلي للمستودع وأحد أبرز أعمدة العمارة الروسية في القرن التاسع عشر، ومصمم كاتدرائية المسيح المخلص وقصر الكرملين الكبير.
لقد صمم تون هذا المستودع الدائري ليكون حلاً هندسياً متطوراً لصيانة القاطرات؛ حيث كانت تدخل القطارات إلى المركز، وتدور داخله لتتوزع على الورش. واليوم، لم تعد القبة المرتفعة مجرد هيكل صناعي، بل تحولت إلى فضاء فني ذي خصائص صوتية فريدة، حيث يمتزج التاريخ بالعروض المعاصرة.
تجارب فنية تستحضر التاريخ
استهل المركز نشاطه بالعرض الموسيقي أرض الدروب للمؤلف فلاديمير غورلينسكي، الذي صُمم خصيصاً لهذا المكان. استخدم العازفون آلات مصنوعة من الخشب والمعدن والجلد، بينما دارت خشبة المسرح الدائرية في استعادة رمزية لحركة القاطرات القديمة، مما جعل الجمهور جزءاً من التجربة الفنية داخل هذا الفضاء الفريد.
وبالتزامن مع الافتتاح، انطلق معرض هياكل مؤقتة الذي يضم أعمالاً فنية تستكشف التحولات العمرانية، إلى جانب قطع تاريخية أصلية من السكك الحديدية، مثل صفارات القاطرات وأجزاء من العربات، لتذكير الزوار بأن ذاكرة المكان لا تزال نابضة في تفاصيله.
رؤية مستقبلية للمباني التاريخية
لا يكتفي تون بكونه قاعة للعروض، بل يخطط ليصبح مركزاً ثقافياً متكاملاً يضم مكتبة ومقهى وبرامج تعليمية لدعم المواهب الشابة في مجالات المسرح والرقص والفنون البصرية. ويعكس المشروع تحولاً في نظرة المدينة للمواقع التاريخية، حيث يتم دمجها في الحياة العامة بدلاً من الاكتفاء بحفظها كمعالم صامتة، لتصبح المحطات اليوم نقطة انطلاق لا للرحلات فحسب، بل لاكتشاف آفاق ثقافية جديدة.


