في مخيم كورسي للاجئين بجمهورية أفريقيا الوسطى، تتلاشى أحلام شباب سودانيين كانوا يطمحون لأن يصبحوا أطباء وقضاة ومهندسين، ليجدوا أنفسهم أمام واقع مرير فرضته الحرب التي مزقت بلادهم، وحولتهم إلى ما يصفونه بـ الجيل الضائع.
إسلام إبراهيم، طالبة الصيدلة ذات العشرين ربيعاً، واحدة من آلاف الشباب الذين قطعت الحرب مساراتهم التعليمية. بعد مقتل والدها في حصار الفاشر، فرت مع عائلتها إلى أفريقيا الوسطى، لتتحول حياتها من مقاعد الدراسة إلى التطوع لدعم النساء والفتيات الواصلات حديثاً للمخيم، مستعينة بما اكتسبته من معارف طبية أولية.
لا تتوقف معاناة إسلام عند حدود النزوح؛ فهي تواجه ضغوطاً اجتماعية للعودة إلى مناطق النزاع لتسوية تركة والدها، وهو خيار ترفضه بشدة خوفاً من العودة إلى جحيم الحرب أو الوقوع تحت طائلة الضغوط القسرية للزواج.
سنوات ضائعة وطموحات معلقة
تشير التقديرات إلى أن جيلاً كاملاً من الطلاب السودانيين في دارفور والمناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع يعانون من انقطاع عن التعليم النظامي لأكثر من ثلاث سنوات، في حين تزداد الفجوة التعليمية اتساعاً بينهم وبين أقرانهم في المناطق الأخرى التي استأنفت فيها الدراسة بشكل محدود.
ومع محاولات منظمات مثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تأمين مقاعد للطلاب السودانيين في جامعة بانغي، اصطدم هؤلاء بواقع لغوي واقتصادي صعب، حيث يضطرون للدراسة باللغة الفرنسية التي تعد عائقاً إضافياً فوق أعباء الصدمة النفسية وضيق ذات اليد.
خيارات مؤلمة ومقاومة بالتعليم
بالنسبة للكثيرين، أصبحت التضحيات مضاعفة. انتصار الصادق، طالبة فقدت زوجها في الحرب، اضطرت لاتخاذ قرار مؤلم بترك طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات في المخيم مع جدته لتتمكن من متابعة دراستها في العاصمة، قائلة: أدرس حتى لا تنتزع الحرب كل شيء منا، إذا توقفت الآن، سنخسر مستقبلنا كما خسرنا منزلنا وزوجي.
يستمر طلاب آخرون مثل قمر الشيخ وبدر الدين عيسى في معركتهم التعليمية رغم كل العقبات، بينما لا يزال أحمد، طالب القانون الذي فقد والده في الحرب، يتمسك ببارقة أمل في أن يعود يوماً ليحقق حلمه بأن يصبح قاضياً، رغم أن طموحاته حالياً باتت تختصر في البقاء على قيد الحياة.
يظل التعليم بالنسبة لهؤلاء الشباب هو الملاذ والمقاومة الوحيدة، ومحاولتهم الأخيرة لإعادة بناء ما دمرته نيران الصراع، في انتظار واقع يسمح لهم باستعادة حياتهم التي سرقتها الحرب.


