لم تعد الشركات العالمية تتخذ قراراتها الاستثمارية وفق القواعد التقليدية التي سادت لعقود، حيث كان البحث عن أقل تكاليف الإنتاج وأرخص الأيدي العاملة هو المعيار الذهبي للنجاح. اليوم، تعيد اعتبارات الأمن الاقتصادي والجيوسياسي والتكنولوجي رسم خريطة الاستثمار العالمي، متقدمةً بخطوات واسعة على حساب الكفاءة الاقتصادية البحتة.
هذا التحول الجوهري يمثل الخلاصة الأبرز لتقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، الذي يشير إلى دخول العالم مرحلة جديدة تتقدم فيها الأهداف الإستراتيجية على منطق السوق التقليدي.
نمو مضلل وتمركز استثماري
رغم ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025 بنسبة 6% لتصل إلى 1.6 تريليون دولار، منهيةً عامين من التراجع، إلا أن هذا الرقم يخفي تفاوتاً حاداً. فالزيادة جاءت مدفوعة بعدد محدود من المشروعات العملاقة، بينما ظل النشاط الاستثماري في معظم القطاعات والدول النامية ضعيفاً.
ويحذر التقرير من أن هذا النمو لا يعكس انتعاشاً شاملاً، بل يشير إلى تركّز رؤوس الأموال في اقتصادات وقطاعات محددة تحظى بأولوية إستراتيجية، وسط استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وسياسات التجارة العالمية.
صعود القطاعات الإستراتيجية
تتدفق الأموال اليوم نحو قطاعات محددة تتصدرها مراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والمعادن الحيوية. وقد تركز ما يقرب من نصف مشروعات الاستثمار الجديدة المعلنة في 2025 في هذه المجالات، في حين شهدت قطاعات التصنيع التقليدي والطاقة المتجددة تباطؤاً ملحوظاً.
منطق جديد لاتخاذ القرار
تضع الشركات متعددة الجنسيات اليوم أولويات جديدة تتجاوز الكلفة والإنتاجية، تتمثل في:
- اعتبارات الأمن القومي.
- السياسات الصناعية والحوافز الحكومية.
- استقرار سلاسل الإمداد.
أصبحت الحكومات لاعباً رئيسياً في توجيه حركة الاستثمار من خلال حزم دعم سيادية، حيث سجل عام 2025 أعلى مستوى من التدخلات الحكومية والسياسات الاستثمارية الجديدة، مما جعل حركة رأس المال تتأثر بالأولويات الجيوسياسية أكثر من أي وقت مضى.
الرابحون والخاسرون في النظام الجديد
منحت هذه التحولات الاقتصادات المتقدمة أفضلية، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار إليها بنسبة 11%، مقابل 2% فقط في الاقتصادات النامية. وتواجه الأخيرة تحدياً في جذب الاستثمارات، حيث لم تعد المنافسة تقوم على انخفاض التكلفة فحسب، بل على القدرة على توفير بنية تحتية رقمية متطورة ومهارات بشرية تقنية.
الشرق الأوسط: فرصة لإعادة التموضع
قد تكون منطقة الشرق الأوسط من أبرز المستفيدين من هذا التحول، حيث تجذب المنطقة اهتماماً متزايداً في مجالات مراكز البيانات، والبتروكيماويات المتقدمة، والهيدروجين منخفض الانبعاثات، والمعادن الإستراتيجية. كما يمنح إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية دول المنطقة فرصة للتحول إلى مراكز صناعية ولوجستية تربط بين القارات، مستفيدة من برامج التنويع الاقتصادي الضخمة.
وتخلص نتائج التقرير إلى أن الدول التي ستنجح في توفير بيئة تنظيمية مرنة، وطاقة موثوقة، وبنية رقمية قوية، هي التي ستمتلك المقعد الدائم في خريطة الاستثمار العالمية الجديدة، بعيداً عن صراعات التكلفة التقليدية.


