تشهد أمريكا اللاتينية تحولاً جيوسياسياً لافتاً يتزامن مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، حيث تبرز موجة من القادة المحافظين الذين يتبنون سياسات أمنية صارمة، معيدين بذلك رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة.
يأتي على رأس هذا المشهد فوز المحامي ورجل الأعمال الكولومبي أبيلاردو دي لاسبيريا، الملقب بـالنمر، الذي تعهد في برنامجه الانتخابي بمحاربة الجريمة بـقبضة من حديد. وتتضمن خطته زيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع السجون شديدة الحراسة، واستهداف قيادات عصابات المخدرات، إلى جانب الانخراط في تحالف أمني إقليمي تقوده واشنطن لمكافحة الكارتلات عبر تعزيز الطابع العسكري لأجهزة الأمن.
هيمنة أمريكية وأهداف اقتصادية
لا يقتصر الطموح الأمريكي في عهد ترمب على الجوانب الأمنية، بل يمتد ليشمل إعادة فرض الهيمنة على نصف الكرة الغربي. ويشير مراقبون إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى لدعم حكومات يمينية تتبنى اقتصاد السوق، وتوفر لواشنطن وصولاً أوسع إلى الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والذهب والمعادن الإستراتيجية.
وفي هذا السياق، يوضح السفير الأمريكي السابق لدى بنما، جون فيلي، أن اهتمام ترمب بالمنطقة يتجاوز الأيديولوجيا ليصل إلى المصالح التجارية المباشرة، لافتاً إلى أن الرئيس الأمريكي بات يستخدم نفوذه للتأثير علناً في السياسات الداخلية لدول القارة، وهو توجه غير مسبوق في العلاقات الأمريكية اللاتينية.
يقول جون فيلي، السفير الأمريكي السابق لدى بنما، إن اهتمام ترمب بمنطقة أمريكا اللاتينية يتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية، ويرتكز على النفط والذهب والمعادن الإستراتيجية.
نموذج القبضة الأمنية يتوسع
أصبح الخطاب الأمني المتشدد القاسم المشترك بين القادة الجدد في عدة دول:
- بيرو: فوز كيكو فوجيموري بعد حملة ركزت على مكافحة الجريمة وتوثيق التعاون مع واشنطن.
- كوستاريكا: وصول لورا فرنانديز ديلغادو إلى الرئاسة متعهدة بشن حرب صارمة على الجريمة المنظمة.
- الإكوادور: توسيع الرئيس دانييل نوبوا للشراكات الأمنية لمكافحة إرهاب المخدرات وفتح قطاع التعدين للاستثمارات الأجنبية.
- بوليفيا: إعادة فتح الباب أمام عناصر إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بعد سنوات من القطيعة.
تداعيات التحول السياسي
تستعد واشنطن لتعزيز تعاونها العسكري، حيث تشير التقارير إلى احتمالية تنفيذ عمليات أمريكية مباشرة ضد معاقل إنتاج الكوكايين وقادة الكارتلات في كولومبيا. وفي حين يرى مؤيدو هذه السياسات أنها جاءت استجابة لـ تصويت العقاب الشعبي ضد الحكومات اليسارية التي أخفقت في توفير الأمن، يحذر خبراء من أن تشديد القبضة الأمنية قد يؤدي إلى تصعيد العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، مع احتمال رد الجماعات المسلحة بقوة على هذه التوجهات.
تخلص الرؤية الإستراتيجية لترمب إلى أن استعادة النفوذ الأمريكي في المنطقة ومنافسة الصين لا يمكن أن يتحققا إلا عبر معادلة تجمع بين التعاون الأمني، وتوسيع الاستثمارات، وضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية.


