ماذا عساني أن أقول؟ وكيف طاوعتني يدي أن تمسك بالقلم لتكتب كلمات الوداع، وهي تعلم أن الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، تبقى عاجزة أمام قامة بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله-.
لقد رحل اليوم رجلٌ لم يكن مجرد قائد تولى مسؤولية الحكم، بل كان صاحب رؤية، وصانع مرحلة، وباني نهضة، ترك بصمة ستظل راسخة في تاريخ قطر الحديث، وفي وجدان كل من عرفه أو عمل معه أو عايش سنوات عطائه. لقد كان -رحمه الله- ملء السمع والبصر طوال سنوات حكمه، حيث قاد وطنه في مرحلة دقيقة حفلت بالتحديات والمتغيرات، لكنه واجهها بثقة القائد وبُعد نظر رجل الدولة، حتى أصبحت قطر في عهده نموذجاً في البناء والتنمية وحضوراً فاعلاً على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن يسلّم الأمانة لجيل الشباب والوطن ينعم بالاستقرار.
كم من رحلة امتدت ساعات طويلة، وكم من زيارة تنقل فيها بين العواصم، وكم من اجتماع استغرق من وقته وجهده الكثير، وكل ذلك وهو يحمل هدفاً واحداً: أن يجمع ولا يفرق، وأن يقرب ولا يباعد، وأن يرسم الأمل حيث كان اليأس يخيم.
رجلٌ لم يعرف الراحة في خدمة وطنه
لقد تشرفت بالعمل إلى جانبه سنوات طويلة، ورأيت عن قرب كيف كان يتعامل مع مسؤولياته. لم يكن يعرف الراحة إذا تعلق الأمر بمصلحة وطنه أو بقضية يرى أن عليه واجباً تجاهها. كنا نحن الذين نرافقه نشعر بالإرهاق من كثرة السفر والعمل، أما هو فكان يمضي بعزيمة لا تعرف الفتور، وصبر لا يعرف الشكوى، وإيمان راسخ بأن خدمة الوطن والأمة مسؤولية لا تعرف التردد.
لم يقتصر اهتمامه على الشأن الداخلي، بل حمل هموم أمته العربية، وسعى بكل ما أوتي من حكمة وإخلاص إلى تقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين الأشقاء، حتى غدت قطر في عهده محطة للحوار، ومنبراً للتفاهم، وعنواناً للمبادرات التي هدفت إلى إحلال السلام.
لم يكن اهتمامه منصباً على الشأن الداخلي فحسب، بل حمل هموم أمته العربية، وسعى بكل ما أوتي من حكمة وإخلاص إلى تقريب وجهات النظر، ورأب الصدع بين الأشقاء، حتى غدت قطر في عهده محطة للحوار.
إرثٌ خالد في ذاكرة التاريخ
لقد علمتني تلك السنوات أن القيادة ليست منصباً، بل تضحية، وليست امتيازاً، بل مسؤولية. وهذه الحقيقة رأيتها متجسدة في الأمير الوالد، الذي كان يضع مصلحة وطنه فوق كل اعتبار، ويؤمن بأن الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى أثره في حياة الناس ومستقبل الأوطان. لقد قلتَ ففعلتَ، ووعدتَ فأوفيتَ، فكان عهدك عهد بناء ونهضة، وستظل سيرتك العطرة ومواقفك النبيلة نبراساً للأجيال.
إن ما تحقق في عهدك لم يكن وليد الصدفة، وإنما كان ثمرة رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وإرادة لا تعرف المستحيل. رحمك الله رحمة واسعة، فقد تركت وطناً يلهج بالدعاء لك، وشعباً يحفظ لك جميل العطاء.
وبهذا المصاب، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الكريمة، والأسرة الحاكمة، وإلى الشعب القطري الكريم، وإلى كل من عرف الأمير الوالد وأحب فيه الإنسان قبل القائد. إنا لله وإنا إليه راجعون.


