رحل عن عالمنا سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عاماً، تاركاً إرثاً اقتصادياً وتنموياً استثنائياً أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية لدولة قطر خلال فترة حكمه التي امتدت 18 عاماً.
عندما تولى مقاليد الحكم في عام 1995، كان الاقتصاد القطري محدود النطاق ويعتمد بشكل رئيسي على النفط، بينما كانت ثروات حقل الشمال للغاز في مراحلها الأولى. وفي غضون عقدين، تحولت قطر إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وأصبحت تمتلك واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية، مع تسجيل مستويات قياسية في دخل الفرد.
تحول استراتيجي: الغاز كمحرك للنمو العالمي
لم يكن هذا التحول مجرد طفرة مدفوعة بأسعار الطاقة، بل كان إعادة هيكلة شاملة للنموذج الاقتصادي، بدأت ملامحها حين ترأس الشيخ حمد المجلس الأعلى للتخطيط عام 1989. وكان تطوير حقل الشمال نقطة الانطلاق الحقيقية، حيث ارتفعت القدرة الإنتاجية للغاز المسال إلى 77 مليون طن سنوياً بحلول عام 2010.

انعكس هذا النمو على أداء الاقتصاد الكلي، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى نمو الاقتصاد القطري بأكثر من عشرين ضعفاً خلال فترة حكمه، مرتفعاً من نحو 8 مليارات دولار في 1995 إلى نحو 199 مليار دولار في 2013.
إدارة الثروة: من الإنتاج إلى الاستثمار العالمي
أسس الشيخ حمد عام 2001 المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار، تلاه تأسيس جهاز قطر للاستثمار (QIA) في 2005، بهدف تنويع مصادر الدخل وبناء أصول إنتاجية مستدامة. وبسرعة قياسية، أصبح الجهاز واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية عالمياً بأصول تتجاوز 500 مليار دولار، مع استثمارات استراتيجية في كبرى الشركات العالمية.

الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية
بالتوازي مع قطاع الطاقة، أولى الشيخ حمد اهتماماً بالغاً بالتنمية البشرية، حيث تأسست مؤسسة قطر عام 1995 لتكون ركيزة للتعليم والبحث العلمي. كما شهدت تلك الحقبة طفرة في البنية التحتية شملت بناء مطار حمد الدولي، وميناء حمد، ومدينة لوسيل، وهي المشاريع التي مهدت الطريق لقطر لتصبح أول دولة عربية تستضيف كأس العالم في عام 2022.

رؤية مستدامة للأجيال القادمة
في عام 2008، أطلق الشيخ حمد رؤية قطر الوطنية 2030، التي وضعت مساراً واضحاً لبناء اقتصاد قائم على المعرفة. ويعد هذا الإرث اليوم الأساس الذي تستند إليه السياسات الاقتصادية التي يواصل تنفيذها سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لضمان استمرارية الازدهار للأجيال القادمة.



