هل التوتر والإرهاق النفسي وليدا العصر الحديث؟ تشير الدراسات التاريخية إلى أن هذه المعاناة كانت شائعة في العصور الوسطى أيضاً، وأن أفكار ذلك العصر بشأن التعامل مع الاحتراق النفسي لا تزال تحمل بصيرة مدهشة وقابلة للتطبيق حتى اليوم.
في القرن الخامس الميلادي، لاحظ يوحنا كاسيان أعراضاً تتكرر بانتظام: التعب، اليأس، الرغبة في الهروب من العمل، وتشوش الذهن، وهو ما وصفه بـ ارتباك غير منطقي في العقل يترك الفرد عاجزاً عن الإنتاج ومتلهفاً إلى عزاء النوم. ورغم أن كاسيان كان يخاطب رهباناً ومسيحيين أوائل أنهكتهم مجاهداتهم الروحية، إلا أن وصفه يتقاطع بشكل لافت مع معاناتنا في القرن الحادي والعشرين.
يطرح المؤرخ بيتر جونز في كتابه المساعدة الذاتية من العصور الوسطى رؤية مفادها أن البشر واجهوا عبر التاريخ أزمات نفسية متشابهة. وقد استوحى جونز فكرته من أزمة شخصية مر بها أثناء عمله في سيبيريا، حيث وجد في نصوص العصور الوسطى صدىً دقيقاً لحالته، مؤكداً أن المشاعر لم تتغير، والناس واجهوا الأزمات نفسها.
الأَسيديا: غياب الحب وفراغ الروح
كان الكسل في العصور الوسطى يُعرف باسم الأَسيديا، وهو مصطلح يصف غياب الحب، العجز عن الاكتراث، وفراغاً في الروح. يوضح جونز: إنها الحالة التي تفقد فيها الأشياء التي كانت تضيء يومك قدرتها على تحريك أي شعور فيك، فتتركك بارداً ولا مبالياً.
كان مفكرو ذلك العصر ينظرون إلى الخطايا السبع المميتة كأداة لفهم اضطرابات النفس وتنظيم الأفكار. وبحلول القرن الثالث عشر، انتشرت كتيبات ترشد الكهنة المعالجين إلى استخدام حوار متعمق ودقيق لمساعدة الناس على تجاوز محنهم، وهو أسلوب يقترب كثيراً من تقنيات العلاج النفسي الحديثة.
دروس في مسامحة الذات
يرى الباحثون أن هناك تشابهاً بين معاناة الماضي وأمراض العصر الحديث، حيث يلجأ المنهكون اليوم إلى ممارسات جانبية غير مجدية هرباً من العمل الحقيقي، تماماً كما كان يفعل المصابون بـ الأَسيديا.
يقترح مفكرو العصور الوسطى، مثل وليام بيرالدوس، البحث عن جبل راسخ؛ أي غاية أسمى أو معنى أكبر يعين الإنسان على اجتياز الأوقات الصعبة. كما يشدد برنارد من كليرفو على أهمية مسامحة الذات، مشبهاً السعي لعيش حياة فاضلة بالجري في أرض وعرة، حيث لا بد أن يتعثر الإنسان أو يسقط في مرحلة ما.
إن إدراك أننا لسنا وحدنا في معاناتنا، وأن البشر عاشوا هذه المشاعر على مدى آلاف السنين، يمنح عزاءً كبيراً لمن يمر بكرب نفسي، ويذكرنا بأن التعافي يبدأ بقبول هذه الحالة والبحث عن معنى يضيء الطريق مجدداً.


