في خطوة تاريخية تهدف لكسر حلقة الإجرام المتوارثة عبر الأجيال، أقر البرلمان الإيطالي قانون حرية الاختيار (Liberi di Scegliere)، الذي يمنح الأطفال والشباب الذين نشأوا داخل عائلات المافيا فرصة حقيقية للتحرر من قبضة التنظيمات الإجرامية.
يستهدف القانون الجديد، الذي انتقل من مرحلة التجربة في منطقة كالابريا إلى التطبيق الوطني الشامل، الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً وأقاربهم، عبر توفير الحماية القانونية، والتعليم، والدعم النفسي، وحتى تغيير الهوية، لنقلهم بعيداً عن بيئات نفوذ عصابات المافيا مثل ندرانغيتا وكوزا نوسترا.
لماذا تعد الروابط العائلية حصن المافيا؟
تعتمد منظمات المافيا الإيطالية، ولا سيما ندرانغيتا، على الروابط الدموية كركيزة أساسية لبقائها. إذ يُنتظر من أبناء الأعضاء البارزين وريث سلطة آبائهم في سن مبكرة، مما يجعل من الصعب على السلطات اختراق هذه التنظيمات؛ لأن التعاون مع القانون يعني بالضرورة الإبلاغ عن الأب أو الأخ أو العم.
ما الذي يقدمه القانون الجديد؟
لا يركز القانون على العقاب، بل على الوقاية. وتتلخص أبرز بنوده في:
- إعادة توطين القاصرين وأقاربهم خارج مناطق نفوذ المافيا.
- توفير السكن والتعليم والتدريب المهني.
- الحرص على بقاء الأمهات مع أطفالهن، بشرط قطع الصلة بالتنظيم الإجرامي.
- توفير رعاية بديلة في حال تعذر ذلك، دون اشتراط تحول الفرد إلى شاهد ملك.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن الدولة تقدم بديلاً للحرية لأولئك الذين ولدوا في عائلات إجرامية ولا يرغبون في أن يصبحوا مجرمين، مشددة على أن القانون أداة لحماية الحق في اختيار مسار حياة شريف.
جذور البرنامج: من محكمة أحداث إلى قانون وطني
تعود فكرة القانون إلى القاضي روبرتو دي بيلا، رئيس محكمة الأحداث في ريجيو كالابريا سابقاً، الذي لاحظ أن العقوبات التقليدية لا توقف تورط الأحداث في مسيرة آبائهم الإجرامية. بدأ دي بيلا برنامجاً تجريبياً بانتزاع الأطفال من البيئات الخطرة، وهو ما أثبت نجاحه في إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع بعيداً عن تقاليد العشيرة.
جدل حول تدخل الدولة في الأسرة
واجه البرنامج انتقادات واسعة من سياسيين ورجال دين اتهموا الدولة بالتدخل في الحياة الأسرية ومعاقبة الأطفال على أفعال آبائهم. كما تعرض القائمون عليه لتهديدات مباشرة من قادة المافيا. ومع ذلك، يرى المدافعون عن القانون أن بقاء الأطفال في تلك البيئات هو حكم بالإعدام أو السجن الحتمي، معتبرين أن القانون يمثل انتصاراً لحرية الأفراد أمام سطوة التنظيمات التي تحاول تقرير مصيرهم رغماً عنهم.


